سورة الواقعة · الآية ٥٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: أفرأيتم ابتداء خلقتكم من المني الذي تمنون، فهل أنتم خالقون ذلك المني وما ينشأ منه؟ أم الله تعالى الخالق الذي خلق فيكم من الشهوة وآلتها من الذكر والأنثى، وهدى كلا منهما لما هنالك، وحبب بين الزوجين، وجعل بينهما من المودة والرحمة ما هو سبب للتناسل. ولهذا أحالهم الله تعالى على الاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة الأخرى، فقال: { ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون } أن القادر على ابتداء خلقكم، قادر على إعادتكم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الواقعة ٥٨–٦٢) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا} [الكهف: 107] أي: ضيافة وكرامة. يقول تعالى مقررا للمعاد (1) ، وردا على المكذبين به من أهل الزيغ والإلحاد، من الذين قالوا: {أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون} [الصافات: 16] ، وقولهم ذلك صدر منهم على وجه التكذيب والاستبعاد، فقال: {نحن خلقناكم} أي: نحن ابتدأنا خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، أفليس الذي قدر على البداءة بقادر على الإعادة بطريق الأولى والأحرى؛ فلهذا قال: {فلولا تصدقون} أي: فهلا تصدقون بالبعث! ثم قال مستدلا عليهم بقوله: {أفرأيتم ما تمنون. أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون} أي: أنتم تقرونه في الأرحام وتخلقونه فيها، أم الله الخالق لذلك؟ ثم قال: {نحن قدرنا بينكم الموت} أي: صرفناه بينكم. وقال الضحاك: ساوى فيه بين أهل السماء والأرض. {وما نحن بمسبوقين} أي: وما نحن بعاجزين. {على أن نبدل أمثالكم} أي: نغير خلقكم يوم القيامة، {وننشئكم في ما لا تعلمون} أي: من الصفات والأحوال. ثم قال: {ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون} أي: قد علمتم أن الله أنشأكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، فخلقكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، فهلا تتذكرون وتعرفون أن الذي قدر على هذه النشأة -وهي البداءة- قادر على النشأة الأخرى، وهي الإعادة بطريق الأولى والأحرى، وكما قال: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} [الروم: 27] ، وقال: {أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا} [مريم: 67] ، وقال: {أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين. وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم. قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم} [يس: 77-79] ، وقال تعالى: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى. ألم يك نطفة من مني يمنى. ثم كان علقة فخلق فسوى. فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى. أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى} ؟ …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
مماتكم النطف التي تمنون في أرحام نسائكم، أأنتم تخلقون تلك أم نحن الخالقون
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٣٤٥) ↗التحرير والتنوير
وفرع على هذا التذكير تحضيضهم على التصديق، أي بالخلق الثاني وهو البعث فإن ذلك هو الذي لم يصدقوا به. [58، 59] 59] أفرأيتم ما تمنون (58) أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون (59) تفريع على نحن خلقناكم [الواقعة: 57] ، أي خلقناكم الخلق الذي لم تروه ولكنكم توقنون بأنا خلقناكم فتدبروا في خلق النسل لتعلموا أن إعادة الخلق تشبه ابتداء الخلق. وذكرت كائنات خمسة مختلفة الأحوال متحدة المآل إذ في كلها تكوين لموجود مما كان عدما، وفي جميعها حصول وجود متدرج إلى أن تتقوم بها الحياة وابتدئ بإيجاد النسل من ماء ميت، ولعله مادة الحياة بنسلكم في الأرحام من النطف تكوينا مسبوقا بالعدم. والاستفهام للتقرير بتعيين خالق الجنين من النطفة إذ لا يسعهم إلا أن يقروا بأن الله خالق النسل من النطفة وذلك يستلزم قدرته على ما هو من نوع إعادة الخلق. وإنما ابتدئ الاستدلال بتقديم جملة أأنتم تخلقونه زيادة في إبطال شبهتهم إذ قاسوا الأحوال المغيبة على المشاهدة في قلوبهم لا نعاد بعد أن كنا ترابا وعظاما، وكان حقهم أن يقيسوا على تخلق الجنين من مبدأ ماء النطفة فيقولوا: لا تتخلق من النطفة الميتة أجسام حية كما قالوا: لا تصير العظام البالية ذواتا حية، وإلا فإنهم لم يدعوا قط أنهم خالقون، فكان قوله: أأنتم تخلقونه تمهيدا للاستدلال على أن الله هو خالق الأجنة بقدرته، وأن تلك القدرة لا تقصر عن الخلق الثاني عند البعث. وفعل الرؤية في «أرأيتم» من باب (ظن) لأنه ليس رؤية عين. وقال الرضي: هو في مثله منقول من رأيت، بمعنى أبصرت أو عرفت، كأنه قيل: أأبصرت حاله العجيبة أو أعرفتها، أخبرني عنها، فلا يستعمل إلا في الاستخبار عن حالة عجيبة لشيء اه، أي لأن أصل فعل الرؤية من أفعال الجوارح لا من أفعال العقل.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/٣١٣) ↗