سورة الواقعة · الآية ٥٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: أفرأيتم ابتداء خلقتكم من المني الذي تمنون، فهل أنتم خالقون ذلك المني وما ينشأ منه؟ أم الله تعالى الخالق الذي خلق فيكم من الشهوة وآلتها من الذكر والأنثى، وهدى كلا منهما لما هنالك، وحبب بين الزوجين، وجعل بينهما من المودة والرحمة ما هو سبب للتناسل. ولهذا أحالهم الله تعالى على الاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة الأخرى، فقال: { ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون } أن القادر على ابتداء خلقكم، قادر على إعادتكم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الواقعة ٥٨–٦٢) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… كما قال في حق المؤمنين: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا} [الكهف: 107] أي: ضيافة وكرامة. يقول تعالى مقررا للمعاد (1) ، وردا على المكذبين به من أهل الزيغ والإلحاد، من الذين قالوا: {أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون} [الصافات: 16] ، وقولهم ذلك صدر منهم على وجه التكذيب والاستبعاد، فقال: {نحن خلقناكم} أي: نحن ابتدأنا خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، أفليس الذي قدر على البداءة بقادر على الإعادة بطريق الأولى والأحرى؛ فلهذا قال: {فلولا تصدقون} أي: فهلا تصدقون بالبعث! ثم قال مستدلا عليهم بقوله: {أفرأيتم ما تمنون. أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون} أي: أنتم تقرونه في الأرحام وتخلقونه فيها، أم الله الخالق لذلك؟ ثم قال: {نحن قدرنا بينكم الموت} أي: صرفناه بينكم. وقال الضحاك: ساوى فيه بين أهل السماء والأرض. {وما نحن بمسبوقين} أي: وما نحن بعاجزين. {على أن نبدل أمثالكم} أي: نغير خلقكم يوم القيامة، {وننشئكم في ما لا تعلمون} أي: من الصفات والأحوال. ثم قال: {ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون} أي: قد علمتم أن الله أنشأكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، فخلقكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، فهلا تتذكرون وتعرفون أن الذي قدر على هذه النشأة -وهي البداءة- قادر على النشأة الأخرى، وهي الإعادة بطريق الأولى والأحرى، وكما قال: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} [الروم: 27] ، وقال: {أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا} [مريم: 67] ، وقال: {أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين. وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم. قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم} [يس: 77-79] ، وقال تعالى: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى. ألم يك نطفة من مني يمنى. ثم كان علقة فخلق فسوى. فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى. أليس ذلك بقادر على …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
مماتكم النطف التي تمنون في أرحام نسائكم، أأنتم تخلقون تلك أم نحن الخالقون
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٣٤٥) ↗التحرير والتنوير
و (يوم الدين) يوم الجزاء، أي هذا جزاؤهم على أعمالهم نظير قوله آنفا جزاء بما كانوا يعملون [الواقعة: 24] . وجعل يوم الدين وقتا لنزلهم مؤذن بأن ذلك الذي عبر عنه بالنزل جزاء على أعمالهم. وهذا تجريد للتشبيه التهكمي وهو قرينة على التهكم كقول عمرو بن كلثوم: «مرادة طحونا» . [57] نحن خلقناكم فلولا تصدقون (57) أعقب إبطال نفيهم البعث بالاستدلال على إمكانه وتقريب كيفية الإعادة التي أحالوها فاستدل على إمكان إعادة الخلق بأن الله خلقهم أول مرة فلا يبعد أن يعيد خلقهم، قال تعالى: كما بدأنا أول خلق نعيده [الأنبياء: 104] لأنهم لم يكونوا ينكرون ذلك، وليس المقصود إثبات أن الله خلقهم. وهذا الكلام يجوز أن يكون من تمام ما أمر بأن يقوله لهم، ويجوز أن يكون استئنافا مستقلا. والخطاب على كلا الوجهين موجه للسامعين فليس في ضمير خلقناكم التفات. وتقدم المسند إليه على المسند الفعلي لإفادة تقوي الحكم ردا على إحالتهم أن يكون الله قادرا على إعادة خلقهم بعد فناء معظم أجسادهم حين يكونون ترابا وعظاما، فهذا تذكير لهم بما ذهلوا عنه بأن الله هو خلقهم أول مرة وهو الذي يعيد خلقهم ثاني مرة، فإنهم وإن كانوا يعلمون أن الله خلقهم لما لم يجروا على موجب ذلك العلم بإحالتهم إعادة الخلق نزلوا منزلة من يشك في أن الله خلقهم، فالمقصود بتقوي الحكم الإفضاء إلى ما سيفرع عنه من قوله: أفرأيتم ما تمنون إلى قوله: وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم [الواقعة: 58- 61] . ونظير هذه الآية في نسج نظمها والترتيب عليها قوله تعالى: نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا في سورة الإنسان [28] . وموقعها استدلال وعلة لمضمون جملة إن الأولين والآخرين لمجموعون [الواقعة: 49، 50] ولذلك لم تعطف.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/٣١٢) ↗