سورة الواقعة · الآية ١٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى بحال الواقعة التي لا بد من وقوعها، وهي القيامة التي { ليس لوقعتها كاذبة } أي: لا شك فيها، لأنها قد تظاهرت عليها الأدلة العقلية والسمعية، ودلت عليها حكمته تعالى، { خافضة رافعة } أي: خافضة لأناس في أسفل سافلين، رافعة لأناس في أعلى عليين، أو خفضت بصوتها فأسمعت القريب، ورفعت فأسمعت البعيد. { إذا رجت الأرض رجا } أي: حركت واضطربت، { وبست الجبال بسا } أي: فتتت، { فكانت هبآء منبثا } فأصبحت الأرض ليس عليها جبل ولا معلم، قاعا صفصفا، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، { وكنتم } أيها الخلق { أزواجا ثلاثة } أي: انقسمتم ثلاث فرق بحسب أعمالكم الحسنة والسيئة، ثم فصل أحوال الأزواج الثلاثة، فقال: { فأصحاب الميمنة مآ أصحاب الميمنة } تعظيم لشأنهم، وتفخيم لأحوالهم، { وأصحاب المشأمة } أي: الشمال، { مآ أصحاب المشأمة } تهويل لحالهم. { والسابقون السابقون * أولئك المقربون } أي: السابقون في الدنيا إلى الخيرات، هم السابقون في الآخرة لدخول الجنات. أولئك الذين هذا وصفهم، المقربون عند الله، في جنات النعيم، في أعلى عليين، في المنازل العاليات، التي لا منزلة فوقها. وهؤلاء المذكورون { ثلة من الأولين } أي: جماعة كثيرون من المتقدمين من هذه الأمة وغيرهم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الواقعة ١–١٣) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ومما يستأنس به لهذا القول، ما رواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع، حدثنا شريك، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: لما نزلت: {ثلة من الأولين. وقليل من الآخرين} شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت: {ثلة من الأولين. وثلة من الآخرين} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، ثلث أهل الجنة، بل أنتم نصف أهل الجنة -أو: شطر أهل الجنة- وتقاسمونهم النصف الثاني". ورواه الإمام أحمد، عن أسود بن عامر، عن شريك، عن محمد، بياع الملاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره (1) . وقد روي من حديث جابر نحو هذا، ورواه الحافظ ابن عساكر من طريق هشام بن عمار: حدثنا عبد ربه بن صالح، عن عروة بن رويم، عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم: لما نزلت: {فيومئذ وقعت الواقعة} ، ذكر فيها {ثلة من الأولين. وقليل من الآخرين} ، قال عمر: يا رسول الله، ثلة من الأولين وقليل منا؟ قال: فأمسك آخر السورة سنة، ثم نزل: {ثلة من الأولين. وثلة من الآخرين} ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عمر، تعال فاسمع ما قد أنزل الله: {ثلة من الأولين. وثلة من الآخرين} ، ألا وإن من آدم إلي ثلة، وأمتي ثلة، ولن نستكمل ثلتنا حتى نستعين بالسودان من رعاة الإبل، ممن شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له". هكذا أورده في ترجمة "عروة بن رويم" (2) ، إسنادا ومتنا، ولكن في إسناده نظر. وقد وردت طرق كثيرة متعددة بقوله صلى الله عليه وسلم: "إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة" الحديث بتمامه (3) ، وهو مفرد في "صفة الجنة" ولله الحمد والمنة. وهذا الذي اختاره ابن جرير هاهنا، فيه نظر، بل هو قول ضعيف؛ لأن هذه الأمة هي خير الأمم بنص القرآن، فيبعد أن يكون المقربون في غيرها أكثر منها، اللهم إلا أن يقابل مجموع الأمم بهذه الأمة. والظاهر أن المقربين من هؤلاء أكثر من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وقليل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهم الآخرون وقيل لهم الآخرون: لأنهم آخر الأمم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٢/٢٩١) ↗التحرير والتنوير
وقوله: في جنات النعيم خبر ثان عن أولئك المقربون أو حال منه. وإيقاعه بعد وصف المقربون مشير إلى أن مضمونه من آثار التقريب المذكور. [13، 14] 14] ثلة من الأولين (13) وقليل من الآخرين (14) اعتراض بين جملة في جنات النعيم [الواقعة: 12] وجملة على سرر موضونة [الواقعة: 15] . وثلة خبر عن مبتدأ محذوف، تقديره: هم ثلة، ومعاد الضمير المقدر «السابقون» ، أي السابقون ثلة من الأولين وقليل من الآخرين. وهذا الاعتراض يقصد منه التنويه بصنف السابقين وتفضيلهم بطريق الكناية عن ذلك بلفظي ثلة وقليل المشعرين بأنهم قل من كثر، فيستلزم ذلك أنهم صنف عزيز نفيس لما عهد في العرف من قلة الأشياء النفيسة وكقول السموأل- وقيل غيره-: تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها: إن الكرام قليل مع بشارة المسلمين بأن حظهم في هذا الصنف كحظ المؤمنين السالفين أصحاب الرسل لأن المسلمين كانوا قد سمعوا في القرآن وفي أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تنويها بثبات المؤمنين السالفين مع الرسل ومجاهدتهم فربما خامر نفوسهم أن تلك صفة لا تنال بعدهم فبشرهم الله بأن لهم حظا منها مثل قوله تعالى: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم إلى قوله: وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين [آل عمران: 144- 146] وغيرها، تلهيبا للمسلمين وإذكاء لهممهم في الأخذ بما يلحقهم بأمثال السابقين من الأولين فيستكثروا من تلك الأعمال. وفي الحديث: «لقد كان من قبلكم يوضع المنشار على أحدهم فينشر إلى عظمه لا يصده ذلك عن دينه» . والثلة: بضم الثاء لا غير: اسم للجماعة من الناس مطلقا قليلا كانوا أو
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٧/٢٨٩) ↗