سورة المائدة · الآية ١٠٤
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا ذم للمشركين الذين شرعوا في الدين ما لم يأذن به الله، وحرموا ما أحله الله، فجعلوا بآرائهم الفاسدة شيئا من مواشيهم محرما، على حسب اصطلاحاتهم التي عارضت ما أنزل الله فقال: { ما جعل الله من بحيرة } وهي: ناقة يشقون أذنها، ثم يحرمون ركوبها ويرونها محترمة. { ولا سآئبة } وهي: ناقة، أو بقرة، أو شاة، إذا بلغت شيئا اصطلحوا عليه، سيبوها فلا تركب ولا يحمل عليها ولا تؤكل، وبعضهم ينذر شيئا من ماله يجعله سائبة. { ولا حام } أي: جمل يحمى ظهره عن الركوب والحمل، إذا وصل إلى حالة معروفة بينهم. فكل هذه مما جعلها المشركون محرمة بغير دليل ولا برهان وإنما ذلك افتراء على الله، وصادرة من جهلهم وعدم عقلهم، ولهذا قال: { ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون } فلا نقل فيها ولا عقل، ومع هذا فقد أعجبوا بآرائهم التي بنيت على الجهالة والظلم. فإذا دعوا { إلى مآ أنزل الله وإلى الرسول } أعرضوا فلم يقبلوا، و { قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ } من الدين، ولو كان غير سديد، ولا دينا ينجي من عذاب الله. ولو كان في آبائهم كفاية ومعرفة ودراية لهان الأمر. ولكن آباءهم لا يعقلون شيئا، أي: ليس عندهم من المعقول شيء، ولا من العلم والهدى شيء. فتبا لمن قلد من لا علم عنده صحيح، ولا عقل رجيح، وترك اتباع ما أنزل الله، واتباع رسله الذي يملأ القلوب علما وإيمانا وهدى وإيقانا.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: المائدة ١٠٣–١٠٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا} أي: يعتذرون إليك ويحلفون: ما أردنا بذهابنا إلى غيرك، وتحاكمنا إلى عداك إلا الإحسان والتوفيق، أي: المداراة والمصانعة، لا اعتقادا منا صحة تلك الحكومة، كما أخبرنا تعالى عنهم في قوله: {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى [أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده] (1) فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين} [المائدة:52] . وقد قال الطبراني: حدثنا أبو زيد أحمد بن يزيد الحوطي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا صفوان بن عمر، عن عكرمة، عن ابن عباس. قال: كان أبو برزة الأسلمي كاهنا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه فتنافر إليه ناس من المسلمين فأنزل الله عز وجل: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك [يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت] (2) } إلى قوله: {إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا} ثم قال تعالى: {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم} [أي] (3) هذا الضرب من الناس هم المنافقون، والله يعلم ما في قلوبهم وسيجزيهم على ذلك، فإنه لا تخفى عليه خافية، فاكتف به يا محمد فيهم، فإن الله عالم بظواهرهم وبواطنهم؛ ولهذا قال له: {فأعرض عنهم} أي: لا تعنفهم على ما في قلوبهم {وعظهم} أي: وانههم (4) على ما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر {وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} أي: وانصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع (5) لهم. يقول تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع} أي: فرضت طاعته على من أرسله (6) إليهم وقوله: {بإذن الله} قال مجاهد: أي لا يطيع أحد إلا بإذني. يعني: لا يطيعهم إلا من وفقته لذلك، كقوله: {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه} [آل عمران:52] أي: عن أمره وقدره ومشيئته، وتسليطه إياكم عليهم. وقوله: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الكتاب، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله} [النساء: 61] يعني بذلك: وإذا قيل لهم: تعالوا هلموا إلى حكم الله الذي أنزله في كتابه، {وإلى الرسول} [النساء: 61] ليحكم بيننا PageEndV07P196 {رأيت المنافقين يصدون عنك} [النساء: 61] يعني بذلك: يمتنعون من المصير إليك لتحكم بينهم، ويمنعون من المصير إليك كذلك غيرهم صدودا وقال ابن جريج في ذلك بما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول} [النساء: 61] قال: " دعا المسلم المنافق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم قال: رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا " وأما على تأويل قول من جعل الداعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم اليهودي والمدعو إليه المنافق على ما ذكرت من أقوال من قال ذلك في تأويل قوله: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك} [النساء: 60] فإنه على ما بينت قبل.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٧/١٩٦) ↗التحرير والتنوير
وفي تسمية ما فعله الكفار من هذه الأشياء افتراء وكذبا ونفي أن يكون الله أمر به ما يدل على أن تلك الأحداث لا تمت إلى مرضاة الله تعالى بسبب من جهتين: إحداهما: أنها تنتسب إلى الآلهة والأصنام، وذلك إشراك وكفر عظيم. الثانية: أن ما يجعل منها لله تعالى مثل السائبة هو عمل ضره أكثر من نفعه، لأن في تسييب الحيوان إضرار به إذ ربما لا يجد مرعى ولا مأوى، وربما عدت عليه السباع، وفيه تعطيل منفعته حتى يموت حتف أنفه. وما يحصل من در بعضها للضيف وابن السبيل إنما هو منفعة ضئيلة في جانب المفاسد الحافة به. [104] 104] وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون (104) الواو للحال. والجملة حال من قوله: الذين كفروا [المائدة: 103] ، أي أنهم ينسبون إلى الله ما لم يأمر به كذبا، وإذا دعوا إلى اتباع ما أمر الله به حقا أو التدبر فيه أعرضوا وتمسكوا بما كان عليه آباؤهم. فحالهم عجيبة في أنهم يقبلون ادعاء آبائهم أن الله أمرهم بما اختلقوا لهم من الضلالات، مثل البحيرة والسائبة وما ضاهاهما، ويعرضون على دعوة الرسول الصادق بلا حجة لهم في الأولى، وبالإعراض عن النظر في حجة الثانية أو المكابرة فيها بعد علمها. والأمر في قوله تعالوا مستعمل في طلب الإقبال، وفي إصغاء السمع، ونظر الفكر، وحضور مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم، وعدم الصد عنه، فهو مستعمل في حقيقته ومجازه. وتقدم الكلام على فعل (تعال) عند الكلام على نظير هذه الآية في سورة النساء. وما أنزل الله: هو القرآن. وعطف وإلى الرسول لأنه يرشدهم إلى فهم القرآن. وأعيد حرف (إلى) لاختلاف معنيي الإقبال بالنسبة إلى متعلقي تعالوا فإعادة الحرف قرينة على إرادة معنيي تعالوا الحقيقي والمجازي.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٧/٧٥) ↗