سورة محمد · الآية ٣٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا تزهيد منه لعباده في الحياة الدنيا بإخبارهم عن حقيقة أمرها، بأنها لعب ولهو، لعب في الأبدان ولهو في القلوب، فلا يزال العبد لاهيا في ماله، وأولاده، وزينته، ولذاته من النساء، والمآكل والمشارب، والمساكن والمجالس، والمناظر والرياسات، لاعبا في كل عمل لا فائدة فيه، بل هو دائر بين البطالة والغفلة والمعاصي، حتى تستكمل دنياه، ويحضره أجله، فإذا هذه الأمور قد ولت وفارقت، ولم يحصل العبد منها على طائل، بل قد تبين له خسرانه وحرمانه، وحضر عذابه، فهذا موجب للعاقل الزهد فيها، وعدم الرغبة فيها، والاهتمام بشأنها، وإنما الذي ينبغي أن يهتم به ما ذكره بقوله: { وإن تؤمنوا وتتقوا } بأن تؤمنوا بالله، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتقوموا بتقواه التي هي من لوازم الإيمان ومقتضياته، وهي العمل بمرضاته على الدوام، مع ترك معاصيه، فهذا الذي ينفع العبد، وهو الذي ينبغي أن يتنافس فيه، وتبذل الهمم والأعمال في طلبه، وهو مقصود الله من عباده رحمة بهم ولطفا، ليثيبهم الثواب الجزيل، ولهذا قال: { وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أمولكم } أي: لا يريد تعالى أن يكلفكم ما يشق عليكم، ويعنتكم من أخذ أموالكم، وبقائكم بلا مال، أو ينقصكم نقصا يضركم، ولهذا قال: { إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم } أي: ما في قلوبكم من الضغن، إذا طلب منكم ما تكرهون بذله. والدليل على أن الله لو طلب منكم أموالكم وأحفاكم بسؤالها، أنكم تمتنعون منها، أنكم { تدعون لتنفقوا في سبيل الله } على هذا الوجه، الذي فيه مصلحتكم الدينية والدنيوية. { فمنكم من يبخل } أي: فكيف لو سألكم، وطلب منكم أموالكم في غير أمر ترونه مصلحة عاجلة؟ أليس من باب أولى وأحرى امتناعكم من ذلك. ثم قال: { ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه } لأنه حرم نفسه ثواب الله تعالى، وفاته خير كثير، ولن يضر الله بترك الإنفاق شيئا. فإن الله هو { الغني وأنتم الفقرآء } تحتاجون إليه في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الفقراء، ليعود نفع ذلك عليكم، ويرجع ثوابه إليكم. ثم قال: {إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا} أي: يحرجكم (1) تبخلوا: {ويخرج أضغانكم} قال قتادة: "قد علم الله أن في إخراج الأموال إخراج الأضغان". وصدق قتادة فإن المال محبوب، ولا يصرف إلا فيما هو أحب إلى الشخص منه. وقوله: {هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل} أي: لا يجيب إلى ذلك {ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه} أي: إنما نقص نفسه من الأجر، وإنما يعود وبال ذلك عليه، {والله الغني} أي: عن كل ما سواه، وكل شيء فقير إليه دائما؛ ولهذا قال: {وأنتم الفقراء} أي: بالذات إليه. فوصفه بالغنى وصف لازم له، ووصف الخلق بالفقر وصف لازم لهم، [أي] (2) لا ينفكون عنه. وقوله: {وإن تتولوا} أي: عن طاعته واتباع شرعه (3) {يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} أي: ولكن يكونون سامعين مطيعين له ولأوامره. وقال (4) ابن أبي حاتم، وابن جرير: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني مسلم بن خالد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة [رضي الله عنه] (5) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} ، قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدل بنا ثم لا يكونوا أمثالنا؟ قال: فضرب بيده على كتف سلمان الفارسي ثم قال: "هذا وقومه، ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس" (6) تفرد به مسلم بن خالد الزنجي، ورواه عنه غير واحد، وقد تكلم فيه بعض الأئمة، والله أعلم. آخر تفسير سورة القتال
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٣٢٤) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
قاتلوا أيها المؤمنون أعداء الله وأعداءكم من أهل الكفر، ولا تدعكم الرغبة في الحياة إلى ترك قتالهم، فإنما الحياة الدنيا لعب ولهو، إلا ما كان منها لله من عمل في سبيله، وطلب رضاه فأما ما عدا ذلك فإنما هو لعب ولهو، يضمحل فيذهب ويندرس فيمر، أو إثم يبقى على صاحبه عاره وخزيه {وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم} [محمد: 36] يقول: وإن تعملوا في هذه الدنيا التي ما كان فيها مما هو لها، فلعب ولهو، فتؤمنوا به وتتقوه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، وهو الذي يبقى لكم منها، ولا يبطل بطول اللهو واللعب، ثم يؤتكم ربكم عليه أجوركم، فيعوضكم منه ما هو خير لكم منه يوم فقركم وحاجتكم إلى أعمالكم {ولا يسألكم أموالكم} [محمد: 36] يقول: ولا يسألكم ربكم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٢٣٠) ↗