سورة محمد · الآية ٣٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا تزهيد منه لعباده في الحياة الدنيا بإخبارهم عن حقيقة أمرها، بأنها لعب ولهو، لعب في الأبدان ولهو في القلوب، فلا يزال العبد لاهيا في ماله، وأولاده، وزينته، ولذاته من النساء، والمآكل والمشارب، والمساكن والمجالس، والمناظر والرياسات، لاعبا في كل عمل لا فائدة فيه، بل هو دائر بين البطالة والغفلة والمعاصي، حتى تستكمل دنياه، ويحضره أجله، فإذا هذه الأمور قد ولت وفارقت، ولم يحصل العبد منها على طائل، بل قد تبين له خسرانه وحرمانه، وحضر عذابه، فهذا موجب للعاقل الزهد فيها، وعدم الرغبة فيها، والاهتمام بشأنها، وإنما الذي ينبغي أن يهتم به ما ذكره بقوله: { وإن تؤمنوا وتتقوا } بأن تؤمنوا بالله، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتقوموا بتقواه التي هي من لوازم الإيمان ومقتضياته، وهي العمل بمرضاته على الدوام، مع ترك معاصيه، فهذا الذي ينفع العبد، وهو الذي ينبغي أن يتنافس فيه، وتبذل الهمم والأعمال في طلبه، وهو مقصود الله من عباده رحمة بهم ولطفا، ليثيبهم الثواب الجزيل، ولهذا قال: { وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أمولكم } أي: لا يريد تعالى أن يكلفكم ما يشق عليكم، ويعنتكم من أخذ أموالكم، وبقائكم بلا مال، أو ينقصكم نقصا يضركم، ولهذا قال: { إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم } أي: ما في قلوبكم من الضغن، إذا طلب منكم ما تكرهون بذله. والدليل على أن الله لو طلب منكم أموالكم وأحفاكم بسؤالها، أنكم تمتنعون منها، أنكم { تدعون لتنفقوا في سبيل الله } على هذا الوجه، الذي فيه مصلحتكم الدينية والدنيوية. { فمنكم من يبخل } أي: فكيف لو سألكم، وطلب منكم أموالكم في غير أمر ترونه مصلحة عاجلة؟ أليس من باب أولى وأحرى امتناعكم من ذلك. ثم قال: { ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه } لأنه حرم نفسه ثواب الله تعالى، وفاته خير كثير، ولن يضر الله بترك الإنفاق شيئا. فإن الله هو { الغني وأنتم الفقرآء } تحتاجون إليه في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الفقراء، ليعود نفع ذلك عليكم، ويرجع ثوابه إليكم. ثم قال: {إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا} أي: يحرجكم (1) تبخلوا: {ويخرج أضغانكم} قال قتادة: "قد علم الله أن في إخراج الأموال إخراج الأضغان". وصدق قتادة فإن المال محبوب، ولا يصرف إلا فيما هو أحب إلى الشخص منه. وقوله: {هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل} أي: لا يجيب إلى ذلك {ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه} أي: إنما نقص نفسه من الأجر، وإنما يعود وبال ذلك عليه، {والله الغني} أي: عن كل ما سواه، وكل شيء فقير إليه دائما؛ ولهذا قال: {وأنتم الفقراء} أي: بالذات إليه. فوصفه بالغنى وصف لازم له، ووصف الخلق بالفقر وصف لازم لهم، [أي] (2) لا ينفكون عنه. وقوله: {وإن تتولوا} أي: عن طاعته واتباع شرعه (3) {يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} أي: ولكن يكونون سامعين مطيعين له ولأوامره. وقال (4) ابن أبي حاتم، وابن جرير: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني مسلم بن خالد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة [رضي الله عنه] (5) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} ، قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدل بنا ثم لا يكونوا أمثالنا؟ قال: فضرب بيده على كتف سلمان الفارسي ثم قال: "هذا وقومه، ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس" (6) تفرد به مسلم بن خالد الزنجي، ورواه عنه غير واحد، وقد تكلم فيه بعض الأئمة، والله أعلم. آخر تفسير سورة القتال
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٣٢٤) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
قاتلوا أيها المؤمنون أعداء الله وأعداءكم من أهل الكفر، ولا تدعكم الرغبة في الحياة إلى ترك قتالهم، فإنما الحياة الدنيا لعب ولهو، إلا ما كان منها لله من عمل في سبيله، وطلب رضاه فأما ما عدا ذلك فإنما هو لعب ولهو، يضمحل فيذهب ويندرس فيمر، أو إثم يبقى على صاحبه عاره وخزيه {وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم} [محمد: 36] يقول: وإن تعملوا في هذه الدنيا التي ما كان فيها مما هو لها، فلعب ولهو، فتؤمنوا به وتتقوه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، وهو الذي يبقى لكم منها، ولا يبطل بطول اللهو واللعب، ثم يؤتكم ربكم عليه أجوركم، فيعوضكم منه ما هو خير لكم منه يوم فقركم وحاجتكم إلى أعمالكم {ولا يسألكم أموالكم} [محمد: 36] يقول: ولا يسألكم ربكم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٢٣٠) ↗التحرير والتنوير
وقرأ الجمهور إلى السلم بفتح السين. وقرأه أبو بكر عن عاصم وحمزة بكسر السين وهما لغتان. وجملة وأنتم الأعلون عطف على النهي عطف الخبر على الإنشاء، والخبر مستعمل في الوعد. والأعلون: مبالغة في العلو. وهو هنا بمعنى الغلبة والنصر كقوله تعالى لموسى: إنك أنت الأعلى [طه: 68] ، أي والله جاعلكم غالبين. والله معكم عطف على الوعد. والمعية معية الرعاية والكلاءة، أي والله حافظكم وراعيكم فلا يجعل الكافرين عليكم سبيلا. والمعنى: وأنتم الغالبون بعناية الله ونصره. وصيغ كل من جملتي أنتم الأعلون والله معكم جملة اسمية للدلالة على ثبات الغلب لهم وثبات عناية الله بهم. وقوله: ولن يتركم أعمالكم وعد بتسديد الأعمال ونجاحها عكس قوله في أول السورة الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم [محمد: 1] فكني عن توفيق الأعمال ونجاحها بعدم وترها، أي نقصها للعلم بأنه إذا كان لا ينقصها فبالحري أن لا يبطلها، أي أن لا يخيبها، وهو ما تقدم من قوله: والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم [محمد: 4، 5] . يقال: وتره يتره وترا وترة كوعد، إذا نقصه، وفي حديث «الموطأ» «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله» . ويجوز أيضا أن يراد منه صريحه، أي ينقصكم ثوابكم على أعمالكم، أي الجهاد المستفاد من قوله فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم فيفيد التحريض على الجهاد بالوعد بأجره كاملا. [36، 37] إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسئلكم أموالكم (36) إن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم (37) إنما الحياة الدنيا لعب ولهو. تعليل لمضمون قوله: فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم [محمد: 35] الآية، وافتتاحها ب (إن) مغن عن افتتاحها بفاء التسبب على ما بينه في دلائل الإعجاز، وليس اتصال
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/١٣٢) ↗