سورة محمد · الآية ٣٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا تزهيد منه لعباده في الحياة الدنيا بإخبارهم عن حقيقة أمرها، بأنها لعب ولهو، لعب في الأبدان ولهو في القلوب، فلا يزال العبد لاهيا في ماله، وأولاده، وزينته، ولذاته من النساء، والمآكل والمشارب، والمساكن والمجالس، والمناظر والرياسات، لاعبا في كل عمل لا فائدة فيه، بل هو دائر بين البطالة والغفلة والمعاصي، حتى تستكمل دنياه، ويحضره أجله، فإذا هذه الأمور قد ولت وفارقت، ولم يحصل العبد منها على طائل، بل قد تبين له خسرانه وحرمانه، وحضر عذابه، فهذا موجب للعاقل الزهد فيها، وعدم الرغبة فيها، والاهتمام بشأنها، وإنما الذي ينبغي أن يهتم به ما ذكره بقوله: { وإن تؤمنوا وتتقوا } بأن تؤمنوا بالله، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتقوموا بتقواه التي هي من لوازم الإيمان ومقتضياته، وهي العمل بمرضاته على الدوام، مع ترك معاصيه، فهذا الذي ينفع العبد، وهو الذي ينبغي أن يتنافس فيه، وتبذل الهمم والأعمال في طلبه، وهو مقصود الله من عباده رحمة بهم ولطفا، ليثيبهم الثواب الجزيل، ولهذا قال: { وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أمولكم } أي: لا يريد تعالى أن يكلفكم ما يشق عليكم، ويعنتكم من أخذ أموالكم، وبقائكم بلا مال، أو ينقصكم نقصا يضركم، ولهذا قال: { إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم } أي: ما في قلوبكم من الضغن، إذا طلب منكم ما تكرهون بذله. والدليل على أن الله لو طلب منكم أموالكم وأحفاكم بسؤالها، أنكم تمتنعون منها، أنكم { تدعون لتنفقوا في سبيل الله } على هذا الوجه، الذي فيه مصلحتكم الدينية والدنيوية. { فمنكم من يبخل } أي: فكيف لو سألكم، وطلب منكم أموالكم في غير أمر ترونه مصلحة عاجلة؟ أليس من باب أولى وأحرى امتناعكم من ذلك. ثم قال: { ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه } لأنه حرم نفسه ثواب الله تعالى، وفاته خير كثير، ولن يضر الله بترك الإنفاق شيئا. فإن الله هو { الغني وأنتم الفقرآء } تحتاجون إليه في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الفقراء، ليعود نفع ذلك عليكم، ويرجع ثوابه إليكم. ثم قال: {إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا} أي: يحرجكم (1) تبخلوا: {ويخرج أضغانكم} قال قتادة: "قد علم الله أن في إخراج الأموال إخراج الأضغان". وصدق قتادة فإن المال محبوب، ولا يصرف إلا فيما هو أحب إلى الشخص منه. وقوله: {هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل} أي: لا يجيب إلى ذلك {ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه} أي: إنما نقص نفسه من الأجر، وإنما يعود وبال ذلك عليه، {والله الغني} أي: عن كل ما سواه، وكل شيء فقير إليه دائما؛ ولهذا قال: {وأنتم الفقراء} أي: بالذات إليه. فوصفه بالغنى وصف لازم له، ووصف الخلق بالفقر وصف لازم لهم، [أي] (2) لا ينفكون عنه. وقوله: {وإن تتولوا} أي: عن طاعته واتباع شرعه (3) {يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} أي: ولكن يكونون سامعين مطيعين له ولأوامره. وقال (4) ابن أبي حاتم، وابن جرير: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني مسلم بن خالد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة [رضي الله عنه] (5) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} ، قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدل بنا ثم لا يكونوا أمثالنا؟ قال: فضرب بيده على كتف سلمان الفارسي ثم قال: "هذا وقومه، ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس" (6) تفرد به مسلم بن خالد الزنجي، ورواه عنه غير واحد، وقد تكلم فيه بعض الأئمة، والله أعلم. آخر تفسير سورة القتال
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٣٢٤) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء} قال: «ليس بالله تعالى ذكره إليكم حاجة وأنتم أحوج إليه»
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٢٣٢) ↗التحرير والتنوير
(إن) ب (ما) الزائدة الكافة بمغير موقعها بدون (ما) لأن اتصالها بها زادها معنى الحصر. والمراد ب الحياة أحوال مدة الحياة فهو على حذف مضافين. واللعب: الفعل الذي يريد به فاعله الهزل دون اجتناء فائدة كأفعال الصبيان في مرحهم. واللهو: العمل الذي يعمل لصرف العقل عن تعب الجد في الأمور فيلهو عن ما يهتم له ويكد عقله. والإخبار عن الحياة بأنها لعب ولهو على معنى التشبيه البليغ، شبهت أحوال الحياة الدنيا باللعب واللهو في عدم ترتب الفائدة عليها لأنها فانية منقضية والآخرة هي دار القرار. وهذا تحذير من أن يحملهم حب لذائذ العيش على الزهادة في مقابلة العدو ويتلو إلى مسالمته فإن ذلك يغري العدو بهم. وحب الفتى طول الحياة يذله ... وإن كان فيه نخوة وعزام وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسئلكم أموالكم إن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم (37) . الأشبه أن هذا عطف على قوله: فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم [محمد: 35] تذكيرا بأن امتثال هذا النهي هو التقوى المحمودة، ولأن الدعاء إلى السلم قد يكون الباعث عليه حب إبقاء المال الذي ينفق في الغزو، فذكروا هنا بالإيمان والتقوى ليخلعوا عن أنفسهم الوهن لأنهم نهوا عنه وعن الدعاء إلى السلم فكان الكف عن ذلك من التقوى، وعطف عليه أن الله لا يسألهم أموالهم إلا لفائدتهم وإصلاح أمورهم، ولذلك وقع بعده قوله: ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله إلى قوله: عن نفسه [محمد: 38] ، على أن موقع هذه الجملة تعليل النهي المتقدم بقوله: إنما الحياة الدنيا لعب ولهو مشير إلى أن الحياة الدنيا إذا عمرت بالإيمان والتقوى كانت سببا في الخير الدائم.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/١٣٣) ↗