سورة محمد · الآية ٣٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذه الآية والتي في البقرة قوله: ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة [البقرة: 217] مقيدتان، لكل نص مطلق، فيه إحباط العمل بالكفر، فإنه مقيد بالموت عليه، فقال هنا: { إن الذين كفروا } بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر { وصدوا } الخلق { عن سبيل الله } بتزهيدهم إياهم بالحق، ودعوتهم إلى الباطل، وتزيينه، { ثم ماتوا وهم كفار } لم يتوبوا منه، { فلن يغفر الله لهم } لا بشفاعة ولا بغيرها، لأنه قد تحتم عليهم العقاب، وفاتهم الثواب، ووجب عليهم الخلود في النار، وسدت عليهم رحمة الرحيم الغفار. ومفهوم الآية الكريمة أنهم إن تابوا من ذلك قبل موتهم، فإن الله يغفر لهم ويرحمهم، ويدخلهم الجنة، ولو كانوا مفنين أعمارهم في الكفر به والصد عن سبيله، والإقدام على معاصيه، فسبحان من فتح لعباده أبواب الرحمة، ولم يغلقها عن أحد، ما دام حيا متمكنا من التوبة. وسبحان الحليم، الذي لا يعاجل العاصين بالعقوبة، بل يعافيهم، ويرزقهم، كأنهم ما عصوه مع قدرته عليهم. ثم قال تعالى: { فلا تهنوا } أي: لا تضعفوا عن قتال عدوكم، ويستولي عليكم الخوف، بل اصبروا واثبتوا، ووطنوا أنفسكم على القتال والجلاد، طلبا لمرضاة ربكم، ونصحا للإسلام، وإغضابا للشيطان. ولا تدعوا إلى المسالمة والمتاركة بينكم وبين أعدائكم، طلبا للراحة، { و } الحال أنكم { وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم } أي: ينقصكم { أعمالكم }. فهذه الأمور الثلاثة، كل منها مقتض للصبر وعدم الوهن كونهم الأعلين، أي: قد توفرت لهم أسباب النصر، ووعدوا من الله بالوعد الصادق، فإن الإنسان لا يهن إلا إذا كان أذل من غيره وأضعف عددا وعددا، وقوة داخلية وخارجية. الثاني: أن الله معهم، فإنهم مؤمنون، والله مع المؤمنين، بالعون والنصر والتأييد، وذلك موجب لقوة قلوبهم، وإقدامهم على عدوهم. الثالث: أن الله لا ينقصهم من أعمالهم شيئا، بل سيوفيهم أجورهم، ويزيدهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… ونرجو لمن لم يصيبها (1) . ثم أمر تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله التي هي سعادتهم في الدنيا والآخرة، ونهاهم عن الارتداد الذي هو مبطل للأعمال؛ ولهذا قال: {ولا تبطلوا أعمالكم} أي: بالردة؛ ولهذا قال بعدها: {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم} ، كقوله {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} الآية. ثم قال لعباده المؤمنين: {فلا تهنوا} أي: لا تضعفوا عن الأعداء، {وتدعوا إلى السلم} أي: المهادنة والمسالمة، ووضع القتال بينكم وبين الكفار في حال قوتكم وكثرة عددكم وعددكم؛ ولهذا قال: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون} أي: في حال علوكم على عدوكم، فأما إذا كان الكفار فيهم قوة وكثرة (2) بالنسبة إلى جميع المسلمين، ورأى الإمام في المعاهدة والمهادنة مصلحة، فله أن يفعل ذلك، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صده كفار قريش عن مكة، ودعوه إلى الصلح ووضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين، فأجابهم إلى ذلك. وقوله: {والله معكم} فيه بشارة عظيمة بالنصر والظفر على الأعداء، {ولن يتركم أعمالكم} أي: ولن يحبطها ويبطلها ويسلبكم إياها، بل يوفيكم ثوابها ولا ينقصكم منها شيئا. يقول تعالى تحقيرا لأمر الدنيا وتهوينا لشأنها: {إنما الحياة الدنيا لعب ولهو} أي: حاصلها ذلك إلا ما كان منها لله عز وجل؛ ولهذا قال: {وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم} أي: هو غني عنكم لا يطلب منكم شيئا، وإنما فرض عليكم الصدقات من الأموال مواساة لإخوانكم
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٣٢٣) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٢٢٦) ↗التحرير والتنوير
البلو الثاني بالأعمال كلها، وحصل مع ذلك تأكيد البلو تأكيدا لفظيا. وقرأ الجمهور ولنبلونكم حتى نعلم ونبلوا بالنون في الأفعال الثلاثة. وقرأ أبو بكر عن عاصم تلك الأفعال الثلاثة بياء الغيبة والضمائر عائدة إلى اسم الجلالة في قوله: والله يعلم أعمالكم. وقرأ الجمهور ونبلوا بفتح الواو عطفا على نعلم. وقرأه رويس عن يعقوب بسكون الواو عطفا على ولنبلونكم. [32] 32] إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم (32) الظاهر أن المعني بالذين كفروا هنا الذين كفروا المذكورون في أول هذه السورة وفيما بعد من الآيات التي جرى فيها ذكر الكافرين، أي الكفار الصرحاء عاد الكلام إليهم بعد الفراغ من ذكر المنافقين الذين يخفون الكفر، عودا على بدء لتهوين حالهم في نفوس المسلمين، فبعد أن أخبر الله أنه أضل أعمالهم وأنهم اتبعوا الباطل وأمر بضرب رقابهم وأن التعس لهم وحقرهم بأنهم يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، وأن الله أهلك قرى هي أشد منهم قوة، ثم جرى ذكر المنافقين، بعد ذلك ثني عنان الكلام إلى الذين كفروا أيضا ليعرف الله المسلمين بأنهم في هذه المآزق التي بينهم وبين المشركين لا يلحقهم منهم أدنى ضر، وليزيد وصف الذين كفروا بأنهم شاقوا الرسول صلى الله عليه وسلم. فالجملة استئناف ابتدائي وهي توطئة لقوله: فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم [محمد: 35] . وفعل شاقوا مشتق من كلمة شق بكسر الشين وهو الجانب، والمشاقة المخالفة، كني بالمشاقة عن المخالفة لأن المستقر بشق مخالف للمستقر بشق آخر فكلاهما مخالف، فلذلك صيغت منه صيغة المفاعلة. وتبين الهدى لهم: ظهور ما في دعوة الإسلام من الحق الذي تدركه العقول إذا نبهت إليه، وظهور أن أمر الإسلام في ازدياد ونماء، وأن أمور الآخرين في إدبار، فلم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/١٢٥) ↗