سورة محمد · الآية ١٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر تعالى أنه ولي المؤمنين، ذكر ما يفعل بهم في الآخرة، من دخول الجنات، التي تجري من تحتها الأنهار، التي تسقي تلك البساتين الزاهرة، والأشجار الناظرة المثمرة، لكل زوج بهيج، وكل فاكهة لذيذة. ولما ذكر أن الكافرين لا مولى لهم، ذكر أنهم وكلوا إلى أنفسهم، فلم يتصفوا بصفات المروءة، ولا الصفات الإنسانية، بل نزلوا عنها دركات، وصاروا كالأنعام، التي لا عقل لها ولا فضل، بل جل همهم ومقصدهم التمتع بلذات الدنيا وشهواتها، فترى حركاتهم الظاهرة والباطنة دائرة حولها، غير متعدية لها إلى ما فيه الخير والسعادة، ولهذا كانت النار مثوى لهم، أي: منزلا معدا، لا يخرجون منها، ولا يفتر عنهم من عذابها.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: محمد ١٢) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
والحريق والأغلال، وما أعد لهم من الثياب من النار، ذكر حال أهل الجنة -نسأل الله من فضله وكرمه أن يدخلنا الجنة-فقال: {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار} أي: تتخرق في أكنافها وأرجائها وجوانبها، وتحت أشجارها وقصورها، يصرفونها حيث شاءوا وأين شاءوا، {يحلون فيها} من الحلية، {يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا} أي: في أيديهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء" (1) . وقال كعب الأحبار: إن في الجنة ملكا لو شئت أن أسميه لسميته، يصوغ لأهل الجنة الحلي منذ خلقه الله إلى يوم القيامة، لو أبرز قلب منها -أي: سوار منها-لرد شعاع الشمس، كما ترد (2) الشمس نور القمر. وقوله: {ولباسهم فيها حرير} : في مقابلة ثياب أهل النار التي فصلت لهم، لباس هؤلاء من الحرير، إستبرقه وسندسه، كما قال: {عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا. إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا} [الإنسان: 21، 22] ، وفي الصحيح: "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج في الدنيا، فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" (3) . قال عبد الله بن الزبير: ومن لم يلبس الحرير في الآخرة، لم يدخل الجنة، قال الله تعالى: {ولباسهم فيها حرير} وقوله: {وهدوا إلى الطيب من القول} كقوله {وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام} [إبراهيم: 23] ، وقوله: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار} [الرعد: 23، 24] ، وقوله: {لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قيلا سلاما سلاما} [الواقعة: 25، 26] ، فهدوا إلى المكان الذي يسمعون فيه الكلام الطيب، {ويلقون فيها تحية وسلاما} [الفرقان: 75] ، لا كما يهان أهل النار بالكلام الذي يروعون به (4) ويقرعون به، يقال لهم: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
{تجري من تحتها الأنهار} [البقرة: 25] يقول: تجري الأنهار من تحت أشجارها. فيعطي ما شاء من كرامته أهل طاعته، وما شاء من الهوان أهل معصيته
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٤٧٨) ↗التحرير والتنوير
والمولى، هنا: الولي والناصر. والمعنى: أن الله ينصر الذين ينصرون دينه وهم الذين آمنوا ولا ينصر الذين كفروا به، فأشركوا معه في إلهيته وإذا كان لا ينصرهم فلا يجدون نصيرا لأنه لا يستطيع أحد أن ينصرهم على الله، فنفي جنس المولى لهم بهذا المعنى من معاني المولى. فقوله: وأن الكافرين لا مولى لهم أفاد شيئين: أن الله لا ينصرهم، وأنه إذا لم ينصرهم فلا ناصر لهم، وأما إثبات المولى للمشركين في قوله تعالى: ثم نقول للذين أشركوا مكانكم إلى قوله: وردوا إلى الله مولاهم الحق [يونس: 28- 30] فذلك المولى بمعنى آخر، وهو معنى: المالك والرب، فلا تعارض بينهما. [12] 12] إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم (12) استئناف بياني جواب سؤال يخطر ببال سامع قوله: بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم [محمد: 11] عن حال المؤمنين في الآخرة وعن رزق الكافرين في الدنيا، فبين الله أن من ولايته المؤمنين أن يعطيهم النعيم الخالد بعد النصر في الدنيا، وأن ما أعطاه الكافرين في الدنيا لا عبرة به لأنهم مسلوبون من فهم الإيمان فحظهم من الدنيا أكل وتمتع كحظ الأنعام، وعاقبتهم في عالم الخلود العذاب، فقوله: والنار مثوى لهم في معنى قوله في سورة آل عمران [196، 197] لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد. وهذا الاستئناف وقع اعتراضا بين جملة أفلم يسيروا في الأرض [محمد: 10] وجملة وكأين من قرية [محمد: 13] الآية. والمجرور من قوله: كما تأكل الأنعام في محل الحال من ضمير يأكلون، أو في محل الصفة لمصدر محذوف هو مفعول مطلق ل يأكلون لبيان نوعه. والتمتع: الانتفاع القليل بالمتاع، وتقدم في قوله: متاع قليل في سورة آل عمران [197] ، وقوله: ومتاع إلى حين في سورة الأعراف
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/٨٩) ↗