البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الأحقاف · الآية ٩

﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: وإذا تتلى على المكذبين { آياتنا بينات } بحيث تكون على وجه لا يمترى بها، ولا يشك في وقوعها وحقها، لم تفدهم خيرا، بل قامت عليهم بذلك الحجة، ويقولون من إفكهم وافترائهم { للحق لما جآءهم هذا سحر مبين } أي: ظاهر لا شك فيه، وهذا من باب قلب الحقائق، الذي لا يروج إلا على ضعفاء العقول، وإلا فبين الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين السحر من المنافاة والمخالفة، أعظم مما بين السماء والأرض، وكيف يقاس الحق - الذي علا وارتفع ارتفاعا على الأفلاك، وفاق بضوئه ونوره نور الشمس، وقامت الأدلة الأفقية والنفسية عليه، وأقرت به وأذعنت أولو البصائر والعقول الرزينة - بالباطل الذي هو السحر الذي لا يصدر إلا من ضال ظالم خبيث النفس، خبيث العمل؟! فهو مناسب له وموافق لحاله، وهل هذا إلا من البهرجة؟ { أم يقولون افتراه } أي: افترى محمد هذا القرآن من عند نفسه، فليس هو من عند الله. { قل } لهم: { إن افتريته } فالله علي قادر وبما تفيضون فيه عالم، فكيف لم يعاقبني على افترائي الذي زعمتم؟ فهل { تملكون لي من الله شيئا } إن أرادني الله بضر، أو أرادني برحمة { كفى به شهيدا بيني وبينكم } فلو كنت متقولا عليه، لأخذ مني باليمين، ولعاقبني عقابا يراه كل أحد، لأن هذا أعظم أنواع الافتراء لو كنت متقولا، ثم دعاهم إلى التوبة مع ما صدر منهم من معاندة الحق ومخاصمته، فقال: { وهو الغفور الرحيم } أي: فتوبوا إليه، وأقلعوا عما أنتم فيه، يغفر لكم ذنوبكم، ويرحمكم، فيوفقكم للخير، ويثيبكم جزيل الأجر. { قل ما كنت بدعا من الرسل } أي: لست بأول رسول جاءكم، حتى تستغربوا رسالتي وتستنكروا دعوتي، فقد تقدم من الرسل والأنبياء من وافقت دعوتي دعوتهم، فلأي شيء تنكر رسالتي؟ { ومآ أدري ما يفعل بي ولا بكم } أي: لست إلا بشرا، ليس بيدي من الأمر شيء، والله تعالى هو المتصرف بي وبكم، الحاكم علي وعليكم، ولست الآتي بالشيء من عندي، { ومآ أنا إلا نذير …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد عنه حاجزين} [الحاقة: 44 -47] ؛ ولهذا قال هاهنا: {قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم} ، هذا تهديد لهم، ووعيد أكيد، وترهيب شديد. وقوله: {وهو الغفور الرحيم} ترغيب لهم إلى التوبة والإنابة، أي: ومع هذا كله إن رجعتم وتبتم، تاب عليكم وعفا عنكم، وغفر [لكم] (1) ورحم. وهذه الآية كقوله في سورة الفرقان: {وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا. قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض إنه كان غفورا رحيما} [الفرقان: 5، 6] . وقوله: {قل ما كنت بدعا من الرسل} أي: لست بأول رسول طرق العالم، بل قد جاءت الرسل من قبلي، فما أنا بالأمر الذي لا نظير له حتى تستنكروني وتستبعدوا (2) بعثتي إليكم، فإنه قد أرسل الله قبلي جميع الأنبياء إلى الأمم. قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: {قل ما كنت بدعا من الرسل} ما أنا بأول رسول. ولم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم غير ذلك. وقوله: {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: نزل بعدها {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} [الفتح: 2] . وهكذا قال عكرمة، والحسن، وقتادة: إنها منسوخة بقوله: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} ، قالوا: ولما نزلت هذه الآية قال رجل من المسلمين: هذا قد بين الله ما هو فاعل بك يا رسول الله، فما هو فاعل بنا؟ فأنزل الله: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات} [الفتح: 5] . هكذا قال، والذي هو ثابت في الصحيح أن المؤمنين قالوا: هنيئا لك يا رسول الله، فما لنا؟ فأنزل الله هذه الآية. وقال الضحاك: {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} : ما أدري بماذا أومر، وبماذا أنهى بعد هذا؟ وقال أبو بكر الهذلي، عن الحسن البصري في قوله: {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} قال: أما في الآخرة فمعاذ الله، قد علم أنه في الجنة، ولكن قال: لا أدري …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

التي أرسلها إلى خلقه، قد كان من قبلي له رسل كثيرة أرسلت إلى أمم قبلكم؛ يقال منه: هو بدع في هذا الأمر، وبديع فيه، إذا كان فيه أول ومن البدع قول عدي بن زيد: فلا أنا بدع من حوادث تعتري %~% رجالا عرت من بعد بؤسي وأسعد ومن البديع قول الأحوص: فخرت فانتمت فقلت انظريني %~% ليس جهل أتيته ببديع يعني بأول، يقال: هو بدع من قوم أبداع وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/١١٩) ↗

التحرير والتنوير

وجملة كفى به شهيدا بيني وبينكم بدل اشتمال من جملة هو أعلم بما تفيضون فيه لأن الإخبار بكونه أعلم منهم بكنه ما يفيضون فيه يشتمل على معنى تفويض الحكم بينه وبينهم إلى الله تعالى. وهذا تهديد لهم وتحذير من الخوض الباطل ووعيد. والشهيد: الشاهد، أي المخبر بالواقع. والمراد به هنا الحاكم بما يعلمه من حالنا كما دل عليه قوله: بيني وبينكم لأن الحكم يكون بين خصمين ولا تكون الشهادة بينهما بل لأحدهما قال تعالى: وجئنا بك على هؤلاء شهيدا [النساء: 41] . وإجراء وصفي الغفور الرحيم عليه تعالى اقتضاه ما تضمنه قوله: كفى به شهيدا بيني وبينكم من التهديد والوعيد، وهو تعريض بطلب الإقلاع عما هم فيه من الخوض بالباطل. [9] 9] قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين (9) أعيد الأمر بأن يقول ما هو حجة عليهم لما علمت آنفا في تفسير قوله: قل أرأيتم ما تدعون من دون الله [الأحقاف: 4] الآيات. وهذا جواب عما تضمنه قولهم: افتراه [الأحقاف: 8] من إحالتهم صدقه فيما جاء به من الرسالة عن الله إحالة دعتهم إلى نسبة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الافتراء على الله. وإنما لم يعطف على جملة قل إن افتريته [الأحقاف: 8] لأن المقصود الارتقاء في الرد عليهم من رد إلى أقوى منه فكان هذا كالتعدد والتكرير، وسيأتي بعده قوله: قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به [الأحقاف: 10] . ونظير ذلك ما في سورة المؤمنين [81- 84] بل قالوا مثل ما قال الأولون إلى قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون وقوله قل من رب السماوات السبع [المؤمنون: 86] وقوله: قل من بيده ملكوت كل شيء [المؤمنون: 88] إلخ. والبدع بكسر الباء وسكون الدال، معناه البديع مثل: الخف يعني الخفيف قال امرؤ القيس:

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/١٦) ↗