سورة الأحقاف · الآية ١٠
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: وإذا تتلى على المكذبين { آياتنا بينات } بحيث تكون على وجه لا يمترى بها، ولا يشك في وقوعها وحقها، لم تفدهم خيرا، بل قامت عليهم بذلك الحجة، ويقولون من إفكهم وافترائهم { للحق لما جآءهم هذا سحر مبين } أي: ظاهر لا شك فيه، وهذا من باب قلب الحقائق، الذي لا يروج إلا على ضعفاء العقول، وإلا فبين الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين السحر من المنافاة والمخالفة، أعظم مما بين السماء والأرض، وكيف يقاس الحق - الذي علا وارتفع ارتفاعا على الأفلاك، وفاق بضوئه ونوره نور الشمس، وقامت الأدلة الأفقية والنفسية عليه، وأقرت به وأذعنت أولو البصائر والعقول الرزينة - بالباطل الذي هو السحر الذي لا يصدر إلا من ضال ظالم خبيث النفس، خبيث العمل؟! فهو مناسب له وموافق لحاله، وهل هذا إلا من البهرجة؟ { أم يقولون افتراه } أي: افترى محمد هذا القرآن من عند نفسه، فليس هو من عند الله. { قل } لهم: { إن افتريته } فالله علي قادر وبما تفيضون فيه عالم، فكيف لم يعاقبني على افترائي الذي زعمتم؟ فهل { تملكون لي من الله شيئا } إن أرادني الله بضر، أو أرادني برحمة { كفى به شهيدا بيني وبينكم } فلو كنت متقولا عليه، لأخذ مني باليمين، ولعاقبني عقابا يراه كل أحد، لأن هذا أعظم أنواع الافتراء لو كنت متقولا، ثم دعاهم إلى التوبة مع ما صدر منهم من معاندة الحق ومخاصمته، فقال: { وهو الغفور الرحيم } أي: فتوبوا إليه، وأقلعوا عما أنتم فيه، يغفر لكم ذنوبكم، ويرحمكم، فيوفقكم للخير، ويثيبكم جزيل الأجر. { قل ما كنت بدعا من الرسل } أي: لست بأول رسول جاءكم، حتى تستغربوا رسالتي وتستنكروا دعوتي، فقد تقدم من الرسل والأنبياء من وافقت دعوتي دعوتهم، فلأي شيء تنكر رسالتي؟ { ومآ أدري ما يفعل بي ولا بكم } أي: لست إلا بشرا، ليس بيدي من الأمر شيء، والله تعالى هو المتصرف بي وبكم، الحاكم علي وعليكم، ولست الآتي بالشيء من عندي، { ومآ أنا إلا نذير …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أي: في كفر وعناد ومشاقة للحق، ومسلك بعيد من الهدى. ثم قال: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم} أي: سنظهر لهم دلالاتنا وحججنا على كون القرآن حقا منزلا من عند الله، عز وجل، على رسوله صلى الله عليه وسلم بدلائل خارجية {في الآفاق} ، من الفتوحات وظهور الإسلام على الأقاليم وسائر الأديان. قال (1) مجاهد، والحسن، والسدي: ودلائل في أنفسهم، قالوا: وقعة بدر، وفتح مكة، ونحو ذلك من الوقائع التي حلت بهم، نصر الله فيها محمدا وصحبه، وخذل فيها الباطل وحزبه. ويحتمل أن يكون المراد من ذلك ما الإنسان مركب منه وفيه وعليه من المواد والأخلاط والهيئات العجيبة، كما هو مبسوط في علم التشريح الدال على حكمة الصانع تبارك وتعالى. وكذلك ما هو مجبول عليه من الأخلاق المتباينة، من حسن وقبيح وبين ذلك، وما هو متصرف فيه تحت الأقدار التي لا يقدر بحوله، وقوته، وحيله، وحذره أن يجوزها، ولا يتعداها، كما أنشده ابن أبي الدنيا في كتابه "التفكر والاعتبار"، عن شيخه أبي جعفر القرشي: وإذا نظرت تريد معتبرا %~% فانظر إليك ففيك معتبر أنت الذي يمسي ويصبح في %~% الدنيا وكل أموره عبر أنت المصرف كان في صغر %~% ثم استقل بشخصك الكبر أنت الذي تنعاه خلقته %~% ينعاه منه الشعر والبشر أنت الذي تعطى وتسلب لا %~% ينجيه من أن يسلب الحذر أنت الذي لا شيء منه له %~% وأحق منه بماله القدر وقوله تعالى: {حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} ؟ أي: كفى بالله (2) شهيدا على أفعال عباده وأقوالهم، وهو يشهد أن محمدا صادق فيما أخبر به عنه، كما قال: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون} [النساء: 166] . وقوله: {ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم} أي: في شك من قيام الساعة؛ ولهذا لا يتفكرون فيه، ولا يعملون له، ولا يحذرون منه، بل هو عندهم هدر لا يعبئون به وهو واقع لا ريب فيه وكائن لا محالة. قال ابن أبي الدنيا: حدثنا أحمد بن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الله ثم كفرتم به} [فصلت: 52] ألستم في فراق وبعد من الصواب، فجعل مكان التفريق الخبر، فقال: {من أضل ممن هو في شقاق بعيد} [فصلت: 52] إذا كان مفهوما معناه
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٤٦٠) ↗التحرير والتنوير
وجملة كفى به شهيدا بيني وبينكم بدل اشتمال من جملة هو أعلم بما تفيضون فيه لأن الإخبار بكونه أعلم منهم بكنه ما يفيضون فيه يشتمل على معنى تفويض الحكم بينه وبينهم إلى الله تعالى. وهذا تهديد لهم وتحذير من الخوض الباطل ووعيد. والشهيد: الشاهد، أي المخبر بالواقع. والمراد به هنا الحاكم بما يعلمه من حالنا كما دل عليه قوله: بيني وبينكم لأن الحكم يكون بين خصمين ولا تكون الشهادة بينهما بل لأحدهما قال تعالى: وجئنا بك على هؤلاء شهيدا [النساء: 41] . وإجراء وصفي الغفور الرحيم عليه تعالى اقتضاه ما تضمنه قوله: كفى به شهيدا بيني وبينكم من التهديد والوعيد، وهو تعريض بطلب الإقلاع عما هم فيه من الخوض بالباطل. [9] 9] قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين (9) أعيد الأمر بأن يقول ما هو حجة عليهم لما علمت آنفا في تفسير قوله: قل أرأيتم ما تدعون من دون الله [الأحقاف: 4] الآيات. وهذا جواب عما تضمنه قولهم: افتراه [الأحقاف: 8] من إحالتهم صدقه فيما جاء به من الرسالة عن الله إحالة دعتهم إلى نسبة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الافتراء على الله. وإنما لم يعطف على جملة قل إن افتريته [الأحقاف: 8] لأن المقصود الارتقاء في الرد عليهم من رد إلى أقوى منه فكان هذا كالتعدد والتكرير، وسيأتي بعده قوله: قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به [الأحقاف: 10] . ونظير ذلك ما في سورة المؤمنين [81- 84] بل قالوا مثل ما قال الأولون إلى قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون وقوله قل من رب السماوات السبع [المؤمنون: 86] وقوله: قل من بيده ملكوت كل شيء [المؤمنون: 88] إلخ. والبدع بكسر الباء وسكون الدال، معناه البديع مثل: الخف يعني الخفيف قال امرؤ القيس:
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/١٦) ↗