البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الأحقاف · الآية ٨

﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ ۖ كَفَىٰ بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۖ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: وإذا تتلى على المكذبين { آياتنا بينات } بحيث تكون على وجه لا يمترى بها، ولا يشك في وقوعها وحقها، لم تفدهم خيرا، بل قامت عليهم بذلك الحجة، ويقولون من إفكهم وافترائهم { للحق لما جآءهم هذا سحر مبين } أي: ظاهر لا شك فيه، وهذا من باب قلب الحقائق، الذي لا يروج إلا على ضعفاء العقول، وإلا فبين الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين السحر من المنافاة والمخالفة، أعظم مما بين السماء والأرض، وكيف يقاس الحق - الذي علا وارتفع ارتفاعا على الأفلاك، وفاق بضوئه ونوره نور الشمس، وقامت الأدلة الأفقية والنفسية عليه، وأقرت به وأذعنت أولو البصائر والعقول الرزينة - بالباطل الذي هو السحر الذي لا يصدر إلا من ضال ظالم خبيث النفس، خبيث العمل؟! فهو مناسب له وموافق لحاله، وهل هذا إلا من البهرجة؟ { أم يقولون افتراه } أي: افترى محمد هذا القرآن من عند نفسه، فليس هو من عند الله. { قل } لهم: { إن افتريته } فالله علي قادر وبما تفيضون فيه عالم، فكيف لم يعاقبني على افترائي الذي زعمتم؟ فهل { تملكون لي من الله شيئا } إن أرادني الله بضر، أو أرادني برحمة { كفى به شهيدا بيني وبينكم } فلو كنت متقولا عليه، لأخذ مني باليمين، ولعاقبني عقابا يراه كل أحد، لأن هذا أعظم أنواع الافتراء لو كنت متقولا، ثم دعاهم إلى التوبة مع ما صدر منهم من معاندة الحق ومخاصمته، فقال: { وهو الغفور الرحيم } أي: فتوبوا إليه، وأقلعوا عما أنتم فيه، يغفر لكم ذنوبكم، ويرحمكم، فيوفقكم للخير، ويثيبكم جزيل الأجر. { قل ما كنت بدعا من الرسل } أي: لست بأول رسول جاءكم، حتى تستغربوا رسالتي وتستنكروا دعوتي، فقد تقدم من الرسل والأنبياء من وافقت دعوتي دعوتهم، فلأي شيء تنكر رسالتي؟ { ومآ أدري ما يفعل بي ولا بكم } أي: لست إلا بشرا، ليس بيدي من الأمر شيء، والله تعالى هو المتصرف بي وبكم، الحاكم علي وعليكم، ولست الآتي بالشيء من عندي، { ومآ أنا إلا نذير …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

العقوبة، ولم يقدر أحد من أهل الأرض، لا أنتم ولا غيركم أن يجيرني منه، كقوله: {قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا إلا بلاغا من الله ورسالاته} [الجن: 22، 23] ، وقال تعالى: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد عنه حاجزين} [الحاقة: 44 -47] ؛ ولهذا قال هاهنا: {قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم} ، هذا تهديد لهم، ووعيد أكيد، وترهيب شديد. وقوله: {وهو الغفور الرحيم} ترغيب لهم إلى التوبة والإنابة، أي: ومع هذا كله إن رجعتم وتبتم، تاب عليكم وعفا عنكم، وغفر [لكم] (1) ورحم. وهذه الآية كقوله في سورة الفرقان: {وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا. قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض إنه كان غفورا رحيما} [الفرقان: 5، 6] . وقوله: {قل ما كنت بدعا من الرسل} أي: لست بأول رسول طرق العالم، بل قد جاءت الرسل من قبلي، فما أنا بالأمر الذي لا نظير له حتى تستنكروني وتستبعدوا (2) بعثتي إليكم، فإنه قد أرسل الله قبلي جميع الأنبياء إلى الأمم. قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: {قل ما كنت بدعا من الرسل} ما أنا بأول رسول. ولم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم غير ذلك. وقوله: {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: نزل بعدها {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} [الفتح: 2] . وهكذا قال عكرمة، والحسن، وقتادة: إنها منسوخة بقوله: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} ، قالوا: ولما نزلت هذه الآية قال رجل من المسلمين: هذا قد بين الله ما هو فاعل بك يا رسول الله، فما هو فاعل بنا؟ فأنزل الله: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات} [الفتح: 5] . هكذا قال، والذي هو ثابت في الصحيح أن المؤمنين قالوا: هنيئا لك يا رسول الله، فما لنا؟ فأنزل الله هذه …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

إثمي في افترائي ما افتريت على ربي دونكم، لا تؤاخذون بذنبي ولا إثمي، ولا أؤاخذ بذنبكم. {وأنا بريء مما تجرمون} [هود: 35] يقول: وأنا بريء مما تذنبون، وتأثمون بربكم من افترائكم عليه، PageEndV12P390 ويقال منه: أجرمت إجراما، وجرمت أجرم جرما، كما قال الشاعر: [البحر الوافر] طريد عشيرة ورهين ذنب %~% بما جرمت يدي وجنى لساني

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٣٨٩) ↗

التحرير والتنوير

ومن بديع تفنن القرآن توزيع معاد الضمائر في هذه الآية مع تماثلها في اللفظ وهذا يتدرج في محسن الجمع مع التفريق وأدق. [7] 7] وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين (7) عطف على جملة ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له [الأحقاف: 5] ، وقد علمت أن هذا مسوق مساق العد لوجوه فرط ضلالهم فإن آيات القرآن تتلى عليهم صباح مساء تبين لهم دلائل خلو الأصنام عن مقومات الإلهية فلا يتدبرونها وتحدو بهم إلى الحق فيغالطون أنفسهم بأن ما فهموه منها تأثر سحري، وأنها سحر، ولم يكتفوا بذلك بل زادوا بهتانا فزعموا أنه مبين، أي واضح كونه سحرا. وهذا انتقال إلى إبطال ضلال آخر من ضلالهم وهو ضلال التكذيب بالقرآن فهو مرتبط بقوله: حم تنزيل الكتاب من الله [الأحقاف: 1، 2] إلخ. وقوله: الذين كفروا إظهار في مقام الإضمار للتسجيل عليهم بالكفر وبأنه سبب قولهم ذلك. واللام في قوله: للحق لام العلة وليست لام تعدية فعل القول إلى المقول له أي قال بعض الكافرين لبعض في شأن الذين آمنوا ومن أجل إيمانهم. والحق: هو الآيات، فعدل عن ضمير الآيات إلى إظهار لفظ الحق للتنبيه على أنها حق وأن رميها بالسحر بهتان عظيم. ولما جاءهم توقيت لمقالتهم، أي يقولون ذلك بفور سماع الآيات وكلما جاءتهم، أي دون تدبر ولا إجالة فكر. [8] أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم (8) إضراب انتقال إلى نوع آخر من ضلال أقوالهم.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/١٣) ↗