سورة الأحقاف · الآية ٣٤
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَٰذَا بِالْحَقِّ ۖ قَالُوا بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن حال الكفار الفظيعة عند عرضهم على النار التي كانوا يكذبون بها، وأنهم يوبخون، ويقال لهم: { أليس هذا بالحق } فقد حضرتموه وشاهدتموه عيانا؟ { قالوا بلى وربنا } فاعترفوا بذنبهم وتبين كذبهم { قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } أي: عذابا لازما دائما، كما كان كفركم صفة لازمة. ثم أمر تعالى رسوله أن يصبر على أذية المكذبين المعادين له، وأن لا يزال داعيا لهم إلى الله، وأن يقتدي بصبر أولي العزم من المرسلين، سادات الخلق، أولي العزائم والهمم العالية، الذين عظم صبرهم، وتم يقينهم، فهم أحق الخلق بالأسوة بهم، والقفو لآثارهم، والاهتداء بمنارهم. فامتثل صلى الله عليه وسلم لأمر ربه، فصبر صبرا لم يصبره نبي قبله، حتى رماه المعادون له عن قوس واحدة، وقاموا جميعا بصده عن الدعوة إلى الله، وفعلوا ما يمكنهم من المعاداة والمحاربة، وهو صلى الله عليه وسلم لم يزل صادعا بأمر الله، مقيما على جهاد أعداء الله، صابرا على ما يناله من الأذى، حتى مكن الله له في الأرض، وأظهر دينه على سائر الأديان، وأمته على الأمم، فصلى الله عليه وسلم تسليما. وقوله: { ولا تستعجل لهم } أي: لهؤلاء المكذبين المستعجلين للعذاب، فإن هذا من جهلهم وحمقهم، فلا يستخفنك بجهلهم، ولا يحملك ما ترى من استعجالهم على أن تدعو الله عليهم بذلك، فإن كل ما هو آت قريب، و { كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا } في الدنيا { إلا ساعة من نهار } فلا يحزنك تمتعهم القليل وهم صائرون إلى العذاب الوبيل. { بلاغ } أي: هذه الدنيا، متاعها وشهوتها ولذاتها بلغة منغصة، ودفع وقت حاضر قليل. أو هذا القرآن العظيم، الذي بينا لكم فيه البيان التام، بلاغ لكم، وزاد إلى الدار الآخرة، ونعم الزاد والبلغة، زاد يوصل إلى دار النعيم، ويعصم من العذاب الأليم، فهو أفضل زاد يتزوده الخلائق، وأجل نعمة أنعم الله بها عليهم. { فهل يهلك } بالعقوبات { إلا القوم الفاسقون } أي: الذين لا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
لما ذكر تعالى حال الداعين للوالدين البارين بهما وما لهم عنده من الفوز والنجاة، عطف بحال الأشقياء العاقين للوالدين فقال: {والذي قال لوالديه أف لكما} -وهذا عام في كل من قال هذا، ومن زعم أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر فقوله ضعيف؛ لأن عبد الرحمن بن أبي بكر أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، وكان من خيار أهل زمانه. وروى العوفي، عن ابن عباس: أنها نزلت في ابن لأبي بكر الصديق. وفي صحة هذا نظر، والله أعلم. وقال ابن جريج، عن مجاهد: نزلت في عبد الله بن أبي بكر. وهذا أيضا قاله ابن جريج. وقال آخرون: عبد الرحمن بن أبي بكر. وقاله (1) السدي. وإنما هذا عام في كل من عق والديه وكذب بالحق، فقال لوالديه: {أف لكما} عقهما. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، أخبرني عبد الله بن المديني قال: إني لفي المسجد حين خطب مروان، فقال: إن الله أرى (2) أمير المؤمنين في يزيد رأيا حسنا، وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر عمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: أهرقلية؟! إن أبا بكر والله ما جعلها في أحد من ولده، ولا أحدا من أهل بيته، ولا جعلها معاوية في ولده إلا رحمة وكرامة لولده. فقال مروان: ألست الذي قال لوالديه: أف لكما؟ فقال عبد الرحمن: ألست ابن اللعين الذي لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أباك؟ قال: وسمعتهما عائشة فقالت: يا مروان، أنت القائل لعبد الرحمن كذا وكذا؟ كذبت، ما فيه نزلت، ولكن نزلت في فلان بن فلان. ثم انتحب مروان، ثم نزل عن المنبر حتى أتى باب حجرتها،فجعل يكلمها حتى انصرف (3) . وقد رواه البخاري بإسناد آخر ولفظ آخر، فقال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية بن أبي سفيان، فخطب وجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئا، فقال: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
{أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} [الأحقاف: 20] فيها
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/١٤٧) ↗التحرير والتنوير
20] ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون (20) انتقال إلى وعيد الكافرين على الكفر بحذافره، وذلك زائد على الوعيد المتقدم المتعلق بإنكارهم البعث مع عقوقهم الوالدين المسلمين. فالجملة معطوفة على جملة والذي قال لوالديه أف لكما [الأحقاف: 17] الآيات. والكلام مقول قول محذوف تقديره: ويقال للذين كفروا يوم يعرضون على النار أذهبتم طيباتكم، ومناسبة ذكره هنا أنه تقرير لمعنى لا يظلمون [الأحقاف: 19] ، أي لا يظلمون في جزاء الآخرة مع أننا أنعمنا عليهم في الدنيا ولو شئنا لعجلنا لهم الجزاء على كفرهم من الحياة الدنيا، ولكن الله لم يحرمهم من النعمة في الحياة الدنيا فإن نعمة الكافر في الدنيا نعمة عند المحققين من المتكلمين. وعن الأشعري: أن الكافر غير منعم عليه في الدنيا، وتؤول بأنه خلاف لفظي، أي باعتبار أن عاقبتها سيئة. ونعمة الله في الدنيا معاملة بفضل الربوبية وجزاؤهم على أعمالهم في الآخرة معاملة بعدل الإلهية والحكمة. وانتصب يوم يعرض على الظرفية لفعل القول المحذوف. والعرض تقدم في قوله: أولئك يعرضون على ربهم في سورة هود [18] وقوله: النار يعرضون عليها في سورة غافر [46] وفي قوله: وتراهم يعرضون عليها في سورة الشورى [45] . وإذهاب الطيبات مستعار لمفارقتها كما أن إذهاب المرء إبعاد له عن مكان له. والذهاب: المبارحة. والمعنى: استوفيتم ما لكم من الطيبات بما حصل لكم من نعيم الدنيا ومتعتها فلم تبق لكم طيبات بعدها لأنكم لم تعملوا لنوال طيبات الآخرة، وهو إعذار لهم وتقرير لكونهم لا يظلمون فرتب عليه قوله: فاليوم تجزون عذاب الهون. فالفاء فصيحة. والتقدير: إن كان كذلك فاليوم لم يبق لكم إلا جزاء سيىء
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/٤٢) ↗