سورة الأحقاف · الآية ٢٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يحذر تعالى مشركي العرب وغيرهم، بإهلاك الأمم المكذبين، الذين هم حول ديارهم، بل كثير منهم في جزيرة العرب، كعاد وثمود ونحوهم، وأن الله تعالى صرف لهم الآيات، أي: نوعها من كل وجه، { لعلهم يرجعون } عما هم عليه من الكفر والتكذيب، فلما لم يؤمنوا، أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، ولم تنفعهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء، ولهذا قال هنا: { فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة } أي: يتقربون إليهم، ويتألهونهم لرجاء نفعهم. { بل ضلوا عنهم } فلم يجيبوهم، ولا دفعوا عنهم، { وذلك إفكهم وما كانوا يفترون } من الكذب، الذي يمنون به أنفسهم، حيث يزعمون أنهم على الحق، وأن أعمالهم ستنفعهم، فضلت وبطلت.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأحقاف ٢٧–٢٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الحمد والمنة. وقال الطبراني: حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا إسماعيل بن زكريا الكوفي، حدثنا أبو مالك، عن مسلم الملائي، عن مجاهد وسعيد بن جبير (1) ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما فتح على عاد من الريح إلا مثل موضع الخاتم، ثم أرسلت عليهم [فحملتهم] البدو إلى الحضر فلما رآها أهل الحضر قالوا: هذا عارض ممطرنا مستقبل أوديتنا. وكان أهل البوادي فيها، فألقي أهل البادية على أهل الحاضرة حتى هلكوا. قال: عتت على خزانها حتى خرجت من خلال الأبواب (2) " (3) . يقول تعالى: ولقد مكنا الأمم السالفة في الدنيا من الأموال والأولاد، وأعطيناهم منها (4) ما لم نعطكم مثله ولا قريبا منه، {وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} أي: وأحاط بهم العذاب والنكال الذي كانوا يكذبون به ويستبعدون وقوعه، أي: فاحذروا أيها المخاطبون أن تكونوا مثلهم، فيصيبكم مثل ما أصابهم من العذاب في الدنيا والآخرة. وقوله: {ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى} يعني: أهل مكة، قد أهلك الله الأمم المكذبة بالرسل مما حولها كعاد، وكانوا بالأحقاف بحضرموت عند اليمن وثمود، وكانت منازلهم بينهم وبين الشام، وكذلك سبأ وهم أهل اليمن، ومدين وكانت في طريقهم وممرهم إلى غزة، وكذلك بحيرة قوم لوط، كانوا يمرون بها أيضا. وقوله: {وصرفنا الآيات} أي: بيناها ووضحناها، {لعلهم يرجعون فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة} أي: فهلا نصروهم عند احتياجهم إليهم، {بل ضلوا عنهم} أي: بل ذهبوا عنهم أحوج ما كانوا إليهم، {وذلك إفكهم} أي: كذبهم، {وما كانوا يفترون} أي: وافتراؤهم في اتخاذهم إياهم آلهة، وقد خابوا وخسروا في عبادتهم لها، واعتمادهم عليها.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٢٨٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أهلكنا} [يونس: 13] أيها القوم من القرى ما حول قريتكم، كحجر ثمود وأرض سدوم ومأرب ونحوها، فأنذرنا أهلها بالمثلات، وخربنا ديارها، فجعلناها خاوية على عروشها وقوله: {وصرفنا الآيات} [الأحقاف: 27] يقول: ووعظناهم بأنواع العظات، وذكرناهم بضروب من الذكر والحجج، وبينا لهم ذلك
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/١٦١) ↗التحرير والتنوير
مشتق من الصرف وهو الإبعاد. وكني به هنا عن التبيين والتوضيح لأن تعدد أنواع الأدلة يزيد المقصود وضوحا. ومعنى تنويع الآيات أنها تارة تكون بالحجة والمجادلة النظرية، وتارة بالتهديد على الفعل، وأخرى بالوعيد، ومرة بالتذكير بالنعم وشكرها. وجملة لعلهم يرجعون مستأنفة لإنشاء الترجي وموقعها موقع المفعول لأجله، أي رجاء رجوعهم. والرجوع هنا مجاز عن الإقلاع عما هم فيه من الشرك والعناد، والرجاء من الله تعالى يستعمل مجازا في الطلب، أي توسعة لهم وإمهالا ليتدبروا ويتعظوا. وهذا تعريض بمشركي أهل مكة فهم سواء في تكوين ضروب تصريف الآيات زيادة على ما صرف لهم من آيات إعجاز القرآن والكلام على (لعل) في كلام الله تقدم في أوائل البقرة. [28] فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون (28) تفريع على ما تقدم من الموعظة بعذاب عاد المفصل، وبعذاب أهل القرى المجمل، فرع عليه توبيخ موجه إلى آلهتهم إذ قعدوا عن نصرهم وتخليصهم قدرة الله عليهم، والمقصود توجيه التوبيخ إلى الأمم المهلكة على طريقة توجيه النهي ونحوه لغير المنهي ليجتنب المنهي أسباب المنهي عنه كقولهم لا أعرفنك تفعل كذا، ولا أرينك هنا. والمقصود بهذا التوبيخ تخطئة الأمم الذين اتخذوا الأصنام للنصر والدفع وذلك مستعمل تعريضا بالسامعين المماثلين لهم في عبادة آلهة من دون الله استتماما للموعظة والتوبيخ بطريق التنظير وقياس التمثيل، ولذلك عقب بقوله: بل ضلوا عنهم لأن التوبيخ آل إلى معنى نفي النصر. وحرف لولا إذا دخل على جملة فعلية كان أصله الدلالة على التحضيض، أي تحضيض فاعل الفعل الذي بعد لولا على تحصيل ذلك الفعل، فإذا كان
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/٥٥) ↗