سورة الأحقاف · الآية ٢٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
كان الله تعالى قد أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الخلق، إنسهم وجنهم، وكان لا بد من إبلاغ الجميع لدعوة النبوة والرسالة. فالإنس، يمكنه عليه الصلاة والسلام دعوتهم وإنذارهم، وأما الجن، فصرفهم الله إليه بقدرته، وأرسل إليه { نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا } أي: وصى بعضهم بعضا بذلك، { فلما قضي } وقد وعوه، وأثر ذلك فيهم { ولوا إلى قومهم منذرين } نصحا منهم لهم، وإقامة لحجة الله عليهم، وقيضهم الله معونة لرسوله صلى الله عليه وسلم في نشر دعوته في الجن. { قالوا يقومنآ إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى } لأن كتاب موسى أصل للإنجيل، وعمدة لبني إسرائيل في أحكام الشرع، وإنما الإنجيل متمم ومكمل ومغير لبعض الأحكام. { مصدقا لما بين يديه يهدي } هذا الكتاب الذي سمعناه { إلى الحق } وهو الصواب في كل مطلوب وخبر، { وإلى طريق مستقيم } موصل إلى الله، وإلى جنته، من العلم بالله، وبأحكامه الدينية، وأحكام الجزاء. فلما مدحوا القرآن وبينوا محله ومرتبته، دعوهم إلى الإيمان به، فقالوا: { يقومنآ أجيبوا داعي الله } أي: الذي لا يدعو إلا إلى ربه، لا يدعوكم إلى غرض من أغراضه ولا هوى، وإنما يدعوكم إلى ربكم، ليثيبكم، ويزيل عنكم كل شر ومكروه، ولهذا قالوا: { يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم } وإذا أجارهم من العذاب الأليم، فما ثم بعد ذلك إلا النعيم، فهذا جزاء من أجاب داعي الله. { ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض } فإن الله على كل شيء قدير، فلا يفوته هارب، ولا يغالبه مغالب. { وليس له من دونه أوليآء أولئك في ضلال مبين } وأي ضلال أبلغ من ضلال من نادته الرسل، ووصلت إليه النذر بالآيات البينات، والحجج المتواترات، فأعرض واستكبر؟!!
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأحقاف ٢٩–٣٢) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، حدثنا عمرو: سمعت عكرمة، عن الزبير: {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن} قال: بنخلة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء الآخرة، {كادوا يكونون عليه لبدا} [الجن: 19] ، قال سفيان: اللبد: بعضهم على بعض، كاللبد بعضه على بعض (1) . تفرد به أحمد، وسيأتي من رواية ابن جرير، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنهم سبعة من جن نصيبين. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة (ح) -وقال (2) الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه "دلائل النبوة": أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا إسماعيل القاضي، أخبرنا مسدد، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير (3) ، عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم، انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب. قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها وانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء. فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها يبتغون ما هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بنخلة عامدا إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا -والله-الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم، قالوا: يا قومنا، إنا سمعنا قرآنا عجبا، يهدي إلى الرشد فآمنا به، ولن نشرك بربنا أحدا، وأنزل الله على نبيه (4) : {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن} [الجن: 1] ، وإنما أوحي إليه قول الجن. رواه البخاري عن مسدد بنحوه، وأخرجه مسلم عن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحادث الذي حدث من رجمهم بالشهب
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/١٦٣) ↗التحرير والتنوير
على إفكهم عطف الأخص على الأعم، فإن زعمهم الأصنام شركاء لله كذب مروي من قبل فهو إفك. وأما زعمهم أنها تقربهم إلى الله فذلك افتراء اخترعوه. وإقحام فعل كانوا للدلالة على أن افتراءهم راسخ فيهم. ومجيء يفترون بصيغة المضارع للدلالة على أن افتراءهم متكرر. [29- 32] وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين (29) قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم (30) يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم (31) ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين (32) هذا تأييد للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن سخر الله الجن للإيمان به وبالقرآن فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا عند الثقلين ومعظما في العالمين وذلك ما لم يحصل لرسول قبله. والمقصود من نزول القرآن بخبر الجن توبيخ المشركين بأن الجن وهم من عالم آخر علموا القرآن وأيقنوا بأنه من عند الله والمشركون وهم من عالم الإنس ومن جنس الرسول صلى الله عليه وسلم المبعوث بالقرآن وممن يتكلم بلغة القرآن لم يزالوا في ريب منه وتكذيب وإصرار، فهذا موعظة للمشركين بطريق المضادة لأحوالهم بعد أن جرت موعظتهم بحال مماثليهم في الكفر من جنسهم. ومناسبة ذكر إيمان الجن ما تقدم من قوله تعالى: أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين [الأحقاف: 18] . فالجملة معطوفة على جملة واذكر أخا عاد [الأحقاف: 21] عطف القصة على القصة ويتعلق قوله هنا إذ صرفنا بفعل يدل عليه قوله: واذكر أخا عاد
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/٥٧) ↗