سورة الأحقاف · الآية ١٢
﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً ۚ وَهَٰذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: قال الكفار بالحق معاندين له، ورادين لدعوته: { آمنوا لو كان خيرا ما سبقونآ إليه } أي: ما سبقنا إليه المؤمنون، أي: لكنا أول مبادر به، وسابق إليه، وهذا من البهرجة في مكان، فأي دليل يدل على أن علامة الحق سبق المكذبين به للمؤمنين؟ هل هم أزكى نفوسا؟ أم أكمل عقولا؟ أم الهدى بأيديهم؟ ولكن هذا الكلام الذي صدر منهم، يعزون به أنفسهم بمنزلة من لم يقدر على الشيء، ثم طفق يذمه، ولهذا قال: { وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذآ إفك قديم } أي: هذا السبب الذي دعاهم إليه، أنهم لما لم يهتدوا بهذا القرآن، وفاتهم أعظم المواهب، وأجل الرغائب، قدحوا فيه بأنه كذب، وهو الحق الذي لا شك فيه، ولا امتراء يعتريه، الذي قد وافق الكتب السماوية خصوصا، أكملها وأفضلها بعد القرآن، وهي التوراة التي أنزلها الله على موسى { إماما ورحمة } أي: يقتدي بها بنو إسرائيل، ويهتدون بها، فيحصل لهم خير الدنيا والآخرة. { وهذا } القرآن { كتاب مصدق } للكتب السابقة، شهد بصدقها، وصدقها، بموافقته لها، وجعله الله { لسانا عربيا } ليسهل تناوله، ويتيسر تذكره، { لينذر الذين ظلموا } أنفسهم بالكفر والفسوق والعصيان، إن استمروا على ظلمهم بالعذاب الوبيل، ويبشر المحسنين في عبادة الخالق، وفي نفع المخلوقين، بالثواب الجزيل، في الدنيا والآخرة، ويذكر الأعمال التي ينذر عنها والأعمال التي يبشر بها.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأحقاف ١١–١٢) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال: "يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم" (1) . وفي المسند والسنن: "كل مولود يولد على هذه الملة، حتى يعرب عنه لسانه" (2) الحديث، فالمؤمن باق على هذه الفطرة. [وقوله: {ويتلوه شاهد منه} أي] (3) : وجاءه شاهد من الله، وهو ما أوحاه إلى الأنبياء، من الشرائع المطهرة المكملة المعظمة المختتمة بشريعة محمد، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. ولهذا قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو العالية، والضحاك، وإبراهيم النخعي، والسدي، وغير واحد في قوله تعالى: {ويتلوه شاهد منه} إنه جبريل عليه السلام. وعن علي، والحسن، وقتادة: هو محمد صلى الله عليه وسلم. وكلاهما قريب في المعنى؛ لأن كلا من جبريل ومحمد، صلوات الله عليهما، بلغ رسالة الله تعالى، فجبريل إلى محمد، ومحمد إلى الأمة (4) . وقيل: هو علي. وهو ضعيف لا يثبت له قائل، والأول والثاني هو الحق؛ وذلك أن المؤمن عنده من الفطرة ما يشهد للشريعة من حيث الجملة، والتفاصيل تؤخذ من الشريعة، والفطرة تصدقها وتؤمن بها؛ ولهذا قال تعالى: {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه} وهو القرآن، بلغه جبريل إلى النبي [محمد] (5) صلى الله عليه وسلم، وبلغه النبي محمد إلى أمته. ثم قال تعالى: {ومن قبله كتاب موسى} أي: ومن قبل [هذا] (6) القرآن كتاب موسى، وهو التوراة، {إماما ورحمة} أي: أنزل الله تعالى إلى تلك الأمة إماما لهم، وقدوة (7) يقتدون بها، ورحمة من الله بهم. فمن آمن بها حق الإيمان قاده ذلك إلى الإيمان بالقرآن؛ ولهذا قال تعالى: {أولئك يؤمنون به} . ثم قال تعالى متوعدا لمن كذب بالقرآن أو بشيء منه: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} أي: ومن كفر بالقرآن من سائر أهل الأرض مشركيهم: أهل (8) الكتاب وغيرهم، من سائر طوائف بني آدم على اختلاف ألوانهم وأشكالهم وأجناسهم، ممن بلغه القرآن، كما قال تعالى: {لأنذركم به …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ربه} [هود: 17] قد بين له دينه فتبينه، {ويتلوه شاهد منه} [هود: 17] واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: يعني بقوله: {أفمن كان على بينة من ربه} [هود: 17] محمدا صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن خلف، قال: ثنا حسين بن محمد، قال: ثنا شيبان، عن PageEndV12P354 قتادة، عن عروة، عن محمد ابن الحنفية، قال: قلت لأبي: يا أبت أنت التالي في {ويتلوه شاهد منه} [هود: 17] قال: «لا والله يا بني وددت أني كنت أنا هو، ولكنه لسانه» حدثني يعقوب، وابن وكيع، قالا: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن: " {ويتلوه شاهد منه} [هود: 17] قال: لسانه " حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن، في قوله: " {ويتلوه شاهد منه} [هود: 17] قال: لسانه " حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا الحكم بن عبد الله أبو النعمان العجلي، قال: ثنا شعبة، عن أبي رجاء، عن الحسن، مثله حدثني علي بن الحسن الأزدي، قال: ثنا المعافى بن عمران، عن قرة بن خالد، عن الحسن، مثله حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {أفمن كان على بينة من ربه} [هود: 17] وهو محمد كان على بينة من ربه " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، قوله: " {ويتلوه شاهد منه} [هود: 17] قال: لسانه " حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: " { PageEndV12P355 ويتلوه شاهد منه} [هود: 17] قال: لسانه هو الشاهد " حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن شعبة، عن أبي رجاء، عن الحسن، مثله. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا غندر، عن عوف، عن الحسن، مثله وقال آخرون: يعني بقوله: {ويتلوه شاهد منه} [هود: 17] محمدا صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن سليمان العلاف، عن الحسين بن علي، في قوله: " {ويتلوه شاهد منه} [سورة: هود، آية رقم: 17] قال: الشاهد محمد …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين (12) اتبع إبطال ترهاتهم الطاعنة في القرآن بهذا الكلام المفيد زيادة الإبطال لمزاعمهم بالتذكير بنظير القرآن ومثيل له من كتب الله تعالى هو مشهور عندهم وهو «التوراة» مع التنويه بالقرآن ومزيته والنعي عليهم إذ حرموا أنفسهم الانتفاع بها، فعطفت هذه الآية على التي قبلها لارتباطها بها في إبطال مزاعمهم وفي أنها ناظرة إلى قوله: وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله [الأحقاف: 10] كما تقدم. ففي قوله: ومن قبله كتاب موسى إبطال لإحالتهم أن يوحي الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم بأن الوحي سنة إلهية سابقة معلومة أشهره «كتاب موسى» ، أي «التوراة» وهم قد بلغتهم نبوءته من اليهود. وضمير من قبله عائد إلى القرآن. وتقديم من قبله للاهتمام بهذا الخبر لأنه محل القصد من الجملة. وعبر عن «التوراة» ب كتاب موسى بطريق الإضافة دون الاسم العلم وهو «التوراة» لما تؤذن به الإضافة إلى اسم موسى من التذكير بأنه كتاب أنزل على بشر كما أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم تلميحا إلى مثار نتيجة قياس القرآن على «كتاب موسى» بالمشابهة في جميع الأحوال. وإماما ورحمة حالان من كتاب موسى، ويجوز كونهما حالين من موسى والمعنيان متلازمان. والإمام: حقيقته الشيء الذي يجعله العامل مقياسا لعمل شيء آخر ويطلق إطلاقا شائعا على القدوة قال تعالى: واجعلنا للمتقين إماما [الفرقان: 74] . وأصل هذا الإطلاق استعارة صارت بمنزلة الحقيقة، واستعير الإمام لكتاب موسى لأنه يرشد إلى ما يجب عمله فهو كمن يرشد ويعظ، وموسى إمام أيضا بمعنى القدوة. والرحمة: اسم مصدر لصفة الراحم وهي من صفات الإنسان فهي، رقة في النفس تبعث على سوق الخير لمن تتعدى إليه. ووصف الكتاب بها استعارة لكونه
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/٢٤) ↗