سورة الأحقاف · الآية ١١
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ۚ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: قال الكفار بالحق معاندين له، ورادين لدعوته: { آمنوا لو كان خيرا ما سبقونآ إليه } أي: ما سبقنا إليه المؤمنون، أي: لكنا أول مبادر به، وسابق إليه، وهذا من البهرجة في مكان، فأي دليل يدل على أن علامة الحق سبق المكذبين به للمؤمنين؟ هل هم أزكى نفوسا؟ أم أكمل عقولا؟ أم الهدى بأيديهم؟ ولكن هذا الكلام الذي صدر منهم، يعزون به أنفسهم بمنزلة من لم يقدر على الشيء، ثم طفق يذمه، ولهذا قال: { وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذآ إفك قديم } أي: هذا السبب الذي دعاهم إليه، أنهم لما لم يهتدوا بهذا القرآن، وفاتهم أعظم المواهب، وأجل الرغائب، قدحوا فيه بأنه كذب، وهو الحق الذي لا شك فيه، ولا امتراء يعتريه، الذي قد وافق الكتب السماوية خصوصا، أكملها وأفضلها بعد القرآن، وهي التوراة التي أنزلها الله على موسى { إماما ورحمة } أي: يقتدي بها بنو إسرائيل، ويهتدون بها، فيحصل لهم خير الدنيا والآخرة. { وهذا } القرآن { كتاب مصدق } للكتب السابقة، شهد بصدقها، وصدقها، بموافقته لها، وجعله الله { لسانا عربيا } ليسهل تناوله، ويتيسر تذكره، { لينذر الذين ظلموا } أنفسهم بالكفر والفسوق والعصيان، إن استمروا على ظلمهم بالعذاب الوبيل، ويبشر المحسنين في عبادة الخالق، وفي نفع المخلوقين، بالثواب الجزيل، في الدنيا والآخرة، ويذكر الأعمال التي ينذر عنها والأعمال التي يبشر بها.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأحقاف ١١–١٢) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
القيامة، من غير أن ينقص من آثامهم شيئا" (1) وفي الصحيح: "ما قتلت نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل" (2) . وقوله: {وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون} أي: يكذبون ويختلقون من البهتان. وقد ذكر (3) ابن أبي حاتم هاهنا حديثا فقال: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة، حدثنا عثمان بن حفص بن أبي العالية، حدثني سليمان بن حبيب المحاربي (4) عن أبي أمامة، رضي الله عنه، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغ ما أرسل به، ثم قال: "إياكم والظلم، فإن الله يعزم يوم القيامة فيقول: وعزتي لا يجوزني اليوم ظلم! ثم ينادي مناد فيقول: أين فلان ابن فلان؟ فيأتي يتبعه من الحسنات أمثال الجبال، فيشخص الناس إليها أبصارهم حتى يقوم بين يدي الله الرحمن عز وجل ثم يأمر المنادي فينادي (5) من كانت له تباعة -أو: ظلامة -عند فلان ابن فلان، فهلم. فيقبلون حتى يجتمعوا قياما بين يدي الرحمن، فيقول الرحمن: اقضوا عن عبدي. فيقولون: كيف نقضي عنه؟ فيقول لهم: خذوا لهم من حسناته. فلا يزالون يأخذون منها حتى لا يبقى له حسنة، وقد بقي من أصحاب الظلامات، فيقول: اقضوا عن عبدي. فيقولون: لم يبق له حسنة. فيقول: خذوا من سيئاتهم فاحملوها عليه". ثم نزع النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية الكريمة: {وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون} . وهذا الحديث له شاهد (6) في الصحيح (7) من غير هذا الوجه. وقال (8) ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا أبو بشر الحذاء، عن أبي حمزة (9) الثمالي، عن معاذ بن جبل، رضي الله عنه، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معاذ، إن المؤمن يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه، حتى عن كحل عينيه، وعن فتات الطينة بأصبعيه (10) ، فلا ألفينك تأتي يوم القيامة وأحد أسعد بما آتاك (11) الله منك" (12) . هذه تسلية من الله تعالى لعبده ورسوله …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ما نحن عليه من التكذيب بالبعث بعد الممات وجحود الثواب والعقاب على الأعمال {ولنحمل خطاياكم} [العنكبوت: 12] يقول: قالوا فإنكم إن اتبعتم سبيلنا في ذلك، فبعثتم من بعد الممات، وجوزيتم على الأعمال، فإنا نتحمل آثام خطاياكم حينئذ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٣٦٧) ↗التحرير والتنوير
… وغيره من الرسل فقالوا: لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه [سبأ: 31] وقالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء [الأنعام: 91] حين علموا أن قد لزمتهم الحجة بنزول ما سلف من الكتب قبل القرآن. وجملة إن الله لا يهدي القوم الظالمين تعليل للكلام المحذوف الدال عليه ما قبله ما علمته آنفا، أي ضللتم ضلالا لا يرجى له زوال لأنكم ظالمون والله لا يهدي القوم الظالمين. وهذا تسجيل عليهم بظلمهم أنفسهم. وجيء في الشرط بحرف إن الذي شأنه أن يكون في الشرط غير المجزوم بوقوعه مجاراة لحال المخاطبين استنزالا لطائر جماحهم لينزلوا للتأمل والمحاورة. [11] 11] وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم (11) وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه. هذا حكاية خطأ آخر من أخطاء حجج المشركين الباطلة وهو خطأ منشؤه الإعجاب بأنفسهم وغرورهم بدينهم فاستدلوا على أن لا خير في الإسلام بأن الذين ابتدروا الأخذ به ضعفاء القوم وهم يعدونهم منحطين عنهم، فهم الذين قالوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا كما تقدم في الأنعام [53] ، وهو نظير قول قوم نوح وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي [هود 27] ، ومناسبته لما قبله أنه من آثار استكبارهم فناسب قوله: واستكبرتم [الأحقاف: 10] . واللام في قوله: للذين آمنوا لام التعليل متعلقة بمحذوف، هو حال من الذين كفروا تقديره: مخصصين أو مريدين كاللام في قوله تعالى: وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا [آل عمران: 156] ، وقوله في الآية
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٦/٢١) ↗