سورة الجاثية · الآية ٢٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { أفرأيت } الرجل الضال الذي { اتخذ إلهه هواه } فما هويه سلكه، سواء كان يرضي الله أو يسخطه. { وأضله الله على علم } من الله تعالى، أنه لا تليق به الهداية، ولا يزكو عليها. { وختم على سمعه } فلا يسمع ما ينفعه، { وقلبه } فلا يعي الخير، { وجعل على بصره غشاوة } تمنعه من نظر الحق، { فمن يهديه من بعد الله } أي: لا أحد يهديه، وقد سد الله عليه أبواب الهداية، وفتح له أبواب الغواية، وما ظلمه الله، ولكن هو الذي ظلم نفسه، وتسبب لمنع رحمة الله عليه { أفلا تذكرون } ما ينفعكم فتسلكونه، وما يضركم فتجتنبونه. { وقالوا } أي: منكرو البعث { ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنآ إلا الدهر } أي: إن هي إلا عادات، وجري على رسوم الليل والنهار، يموت أناس، ويحيا أناس، وما مات فليس براجع إلى الله، ولا مجازى بعمله. وقولهم هذا صادر عن غير علم { إن هم إلا يظنون } فأنكروا المعاد وكذبوا الرسل الصادقين، من غير دليل دلهم على ذلك ولا برهان. إن هي إلا ظنون، واستبعادات خالية عن الحقيقة، ولهذا قال تعالى: { وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبآئنآ إن كنتم صادقين } وهذا جراءة منهم على الله، حيث اقترحوا هذا الاقتراح، وزعموا أن صدق رسل الله متوقف على الإتيان بآبائهم، وأنهم لو جاؤوهم بكل آية لم يؤمنوا، إلا إن تبعتهم الرسل على ما قالوا وهم كذبة فيما قالوا، وإنما قصدهم دفع دعوة الرسل، لا بيان الحق، قال تعالى: { قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون } وإلا فلو وصل العلم باليوم الآخر إلى قلوبهم، لعملوا له أعمالا وتهيؤوا له.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الجاثية ٢٣–٢٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أبا (1) سفيان ومن معه، فيما سأله من صفة النبي صلى الله عليه وسلم، قال: هل (2) كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: فقلت: لا -وقد كان أبو سفيان إذ ذاك رأس الكفرة وزعيم المشركين، ومع هذا اعترف (3) بالحق: والفضل ما شهدت به الأعداء فقال له هرقل: فقد أعرف (4) أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله. (5) ! وقال جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة: بعث الله فينا رسولا نعرف نسبه وصدقه وأمانته، وقد كانت مدة مقامه، عليه السلام، بين أظهرنا (6) قبل النبوة أربعين سنة. وعن سعيد بن المسيب: ثلاثا وأربعين سنة. والصحيح المشهور الأول. يقول تعالى: لا أحد أظلم ولا أعتى ولا أشد إجراما {ممن افترى على الله كذبا} وتقول (7) على الله، وزعم أن الله أرسله، ولم يكن كذلك، فليس أحد أكبر جرما ولا أعظم ظلما من هذا، ومثل هذا لا يخفى أمره على الأغبياء، فكيف يشتبه حال هذا بالأنبياء! فإن من قال هذه المقالة صادقا أو كاذبا، فلا بد أن الله ينصب عليه من الأدلة على بره أو فجوره ما (8) وأظهر من الشمس، فإن الفرق بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين مسيلمة الكذاب [لعنه الله] (9) لمن شاهدهما أظهر من الفرق بين وقت الضحى ووقت نصف الليل في حندس الظلماء، فمن سيما كل منهما وكلامه وفعاله يستدل من له بصيرة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم وكذب مسيلمة الكذاب، وسجاح، والأسود العنسي. (10) قال عبد الله بن سلام: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس، فكنت فيمن انجفل، فلما رأيته عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب، فكان أول ما سمعته يقول: "يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، [وصلوا الأرحام] (11) وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلون الجنة بسلام". (12) ولما قدم ضمام بن ثعلبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في (13) قومه بني سعد بن بكر قال لرسول الله فيما قال له (14) من رفع هذه السماء؟ قال: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
آيات كتاب الله الذي أنزلناه إليك يا محمد بينات واضحات على الحق دالات. {قال الذين لا يرجون لقاءنا} [يونس: 15] يقول: قال الذين لا يخافون عقابنا ولا يوقنون بالمعاد إلينا ولا يصدقون بالبعث لك: {ائت بقرآن غير هذا أو بدله} [يونس: 15] بقول: أو غيره. {قل} [البقرة: 80] لهم يا محمد: {ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي} [يونس: 15] أي من عندي. والتبديل الذي سألوه فيما ذكر، أن يحول آية الوعيد آية وعد وآية الوعد وعيدا والحرام حلالا والحلال حراما، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم أن ذلك ليس إليه، وأن ذلك إلى من لا يرد حكمه ولا يتعقب قضاؤه، وإنما هو رسول مبلغ ومأمور متبع. وقوله: {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} [الأنعام: 50] يقول: قل لهم: ما أتبع في كل ما آمركم به أيها القوم وأنهاكم عنه إلا ما ينزله إلي ربي ويأمرني به. {إني أخاف
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/١٣٦) ↗التحرير والتنوير
يعلمون أن الله هو الخالق للعوالم، وأما ما يجري في العالم من التصرفات فلم يكن لهم فيه رأي وكيف وحالتهم الأمية لا تساعد على ذلك، وكانوا يخطئون في التفاصيل حتى يأتوا بما يناقض ما يعتقدونه، ولذلك أعقبه بقوله تعالى: وما لهم بذلك من علم فإشارة بذلك إلى قولهم وما يهلكنا إلا الدهر أي لا علم لهم بأن الدهر هو المميت إذ لا دليل على ذلك فإن الدليل النظري بين أن الدهر وهو الزمان ليس بمميت مباشرة وهو ظاهر ولا بواسطة في الإماتة إذ الزمان أمر اعتباري لا يفعل ولا يؤثر وإنما هو مقادير يقدر بها الناس الأبعاد بين الحوادث مرجعه إلى تقدير حصة النهار والليل وحصص الفصول الأربعة، وإنما توهم عامة الناس أن الزمان متصرف، وهي توهمات شاعت حتى استقرت في الأذهان الساذجة. والمراد بالظن في قوله: إن هم إلا يظنون ما ليس بعلم فهو هنا التخيل والتوهم وجملة إن هم إلا يظنون مبينة بجملة وما لهم بذلك من علم أو استئناف بياني كأن سائلا حين سمع قوله: وما لهم بذلك من علم سأل عن مستندهم في قولهم ذلك فأجيب بأنه الظن المبني على التخيل. وجيء بالمضارع في يظنون لأنهم يحددون هذا الظن ويتلقاه صغيرهم عن كبيرهم في أجيالهم وما هم بمقلعين عنه. [25] 25] وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين (25) عطف على وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون [الجاثية: 24] ، أي عقدوا على عقيدة أن لا حياة بعد الممات استنادا للأوهام والأقيسة الخيالية. وإذا تليت عليهم آيات القرآن الواضحة الدلالة على إمكان البعث وعلى لزومه لم يعارضوها بما يبطلها بل يهرعون إلى المباهتة فيقولون إن كان البعث حقا فأتوا بآبائنا إن صدقتم. فالمراد بالآيات آيات القرآن المتعلقة بالبعث بدليل ما قبل الكلام وما بعده.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٣٦٣) ↗