سورة الجاثية · الآية ٢٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { أفرأيت } الرجل الضال الذي { اتخذ إلهه هواه } فما هويه سلكه، سواء كان يرضي الله أو يسخطه. { وأضله الله على علم } من الله تعالى، أنه لا تليق به الهداية، ولا يزكو عليها. { وختم على سمعه } فلا يسمع ما ينفعه، { وقلبه } فلا يعي الخير، { وجعل على بصره غشاوة } تمنعه من نظر الحق، { فمن يهديه من بعد الله } أي: لا أحد يهديه، وقد سد الله عليه أبواب الهداية، وفتح له أبواب الغواية، وما ظلمه الله، ولكن هو الذي ظلم نفسه، وتسبب لمنع رحمة الله عليه { أفلا تذكرون } ما ينفعكم فتسلكونه، وما يضركم فتجتنبونه. { وقالوا } أي: منكرو البعث { ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنآ إلا الدهر } أي: إن هي إلا عادات، وجري على رسوم الليل والنهار، يموت أناس، ويحيا أناس، وما مات فليس براجع إلى الله، ولا مجازى بعمله. وقولهم هذا صادر عن غير علم { إن هم إلا يظنون } فأنكروا المعاد وكذبوا الرسل الصادقين، من غير دليل دلهم على ذلك ولا برهان. إن هي إلا ظنون، واستبعادات خالية عن الحقيقة، ولهذا قال تعالى: { وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبآئنآ إن كنتم صادقين } وهذا جراءة منهم على الله، حيث اقترحوا هذا الاقتراح، وزعموا أن صدق رسل الله متوقف على الإتيان بآبائهم، وأنهم لو جاؤوهم بكل آية لم يؤمنوا، إلا إن تبعتهم الرسل على ما قالوا وهم كذبة فيما قالوا، وإنما قصدهم دفع دعوة الرسل، لا بيان الحق، قال تعالى: { قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون } وإلا فلو وصل العلم باليوم الآخر إلى قلوبهم، لعملوا له أعمالا وتهيؤوا له.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الجاثية ٢٣–٢٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أي: ما ثم إلا هذه الدار، يموت قوم ويعيش آخرون وما ثم معاد ولا قيامة وهذا يقوله مشركو (1) العرب المنكرون للمعاد، ويقوله الفلاسفة الإلهيون منهم، وهم ينكرون البداءة (2) والرجعة، ويقوله الفلاسفة الدهرية الدورية المنكرون للصانع المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه. وزعموا أن هذا قد تكرر مرات لا تتناهى، فكابروا المعقول (3) وكذبوا المنقول، ولهذا قالوا (4) {وما يهلكنا إلا الدهر} قال الله تعالى: {وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون} أي: يتوهمون ويتخيلون. فأما الحديث الذي أخرجه صاحبا الصحيح، وأبو داود، والنسائي، من رواية سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: يؤذيني ابن آدم؛ يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب ليله ونهاره" (5) وفي رواية: "لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر" (6) . وقد أورده ابن جرير بسياق غريب جدا فقال: حدثنا أبو كريب، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، وهو الذي يهلكنا، يميتنا ويحيينا، فقال الله في كتابه: {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} قال: "ويسبون الدهر، فقال الله عز وجل: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار" (7) . وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن منصور، عن شريح بن النعمان، عن ابن عيينة مثله: ثم روي عن يونس، عن ابن وهب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله تعالى: يسب ابن آدم الدهر، وأنا الدهر، بيدي الليل والنهار". وأخرجه (8) صاحبا الصحيح والنسائي، من حديث يونس بن زيد، به (9) . وقال محمد بن إسحاق عن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أيها المشركون يحييكم ما شاء أن يحييكم في الدنيا، ثم يميتكم فيها إذا شاء، ثم يجمعكم إلى يوم القيامة، يعني أنه يجمعكم جميعا أولكم وآخركم، وصغيركم وكبيركم {إلى يوم القيامة} [آل عمران: 55] يقول: ليوم القيامة، يعني أنه يجمعكم جميعا أحياء
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٩٩) ↗التحرير والتنوير
قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون (26) تلقين لإبطال قولهم وما يهلكنا إلا الدهر [الجاثية: 24] يتضمن إبطال قولهم ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا [الجاثية: 24] . والمقصود منه قوله: ثم يميتكم وإنما قدم عليه يحييكم توطئة له، أي كما هو أوجدكم هو يميتكم لا الدهر، فتقديم اسم الله على المسند الفعلي وهو يحييكم ثم يميتكم يفيد تخصيص الإحياء والإماتة به لإبطال قولهم، إن الدهر هو الذي يميتهم. وقوله: ثم يجمعكم إلى يوم القيامة إبطال لقولهم: ما هي إلا حياتنا الدنيا [الجاثية: 24] وليس هو إبطالا بطريق الاستدلال لأن أدلة هذا تكررت فيما نزل من القرآن فاستغني عن تفصيلها ولكنه إبطال بطريق الإجمال والمعارضة. وقوله: لا ريب فيه حال من يوم القيامة، أي لا ريب في وجوده بما يقتضيه من إحياء الأموات، ومعنى نفي الريب فيه أنه حقيقة الريب وهي التي تتقوم من دلائل تفضي إلى الشك منتفية عن قضية وقوع يوم القيامة بكثرة الدلائل الدالة على إمكانه وعلى أنه بالنسبة لقدرة الله ليس أعجب من بدء الخلق، وأن الله أخبر عن وقوعه فوجب القطع بوقوعه. فكان الشك فيه جديرا بالاقتلاع فكأنه معدوم. وهذا كما قال النبيء صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الكهان «ليسوا بشيء» مع أنهم موجودون فأراد أنهم ليسوا بشيء حقيق، وقد تقدم عند قوله تعالى: ذلك الكتاب لا ريب فيه في سورة البقرة [2] . وعطف ولكن أكثر الناس لا يعلمون على قوله: لا ريب فيه أي ولكن ارتياب كثير من الناس فيه لأنهم لا يعلمون دلائل وقوعه
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٣٦٥) ↗