سورة الجاثية · الآية ١٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى بفضله على عباده وإحسانه إليهم، بتسخير البحر لسير المراكب والسفن بأمره وتيسيره، { ولتبتغوا من فضله } بأنواع التجارات والمكاسب، { ولعلكم تشكرون } الله تعالى، فإنكم إذا شكرتموه، زادكم من نعمه وأثابكم على شكركم أجرا جزيلا. { وسخر لكم ما في السموت وما في الأرض جميعا منه } أي: من فضله وإحسانه، وهذا شامل لأجرام السماوات والأرض، ولما أودع الله فيهما، من الشمس والقمر، والكواكب، والثوابت، والسيارات، وأنواع الحيوانات، وأصناف الأشجار والثمرات، وأجناس المعادن، وغير ذلك مما هو معد لمصالح بني آدم، ومصالح ما هو من ضروراته، فهذا يوجب عليهم أن يبذلوا غاية جهدهم في شكر نعمته، وأن تتغلغل أفكارهم في تدبر آياته وحكمه، ولهذا قال: { إن في ذلك لأيت لقوم يتفكرون } وجملة ذلك أن خلقها وتدبيرها وتسخيرها، دال على نفوذ مشيئة الله وكمال قدرته، وما فيها من الإحكام والإتقان، وبديع الصنعة، وحسن الخلقة، دال على كمال حكمته وعلمه، وما فيها من السعة والعظمة والكثرة، دال على سعة ملكه وسلطانه، وما فيها من التخصيصات والأشياء المتضادات، دليل على أنه الفعال لما يريد، وما فيها من المنافع، والمصالح الدينية والدنيوية، دليل على سعة رحمته، وشمول فضله وإحسانه، وبديع لطفه وبره، وكل ذلك دال على أنه وحده المألوه المعبود، الذي لا تنبغي العبادة والذل والمحبة إلا له، وأن رسله صادقون فيما جاؤوا به، فهذه أدلة عقلية واضحة، لا تقبل ريبا ولا شكا.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الجاثية ١٢–١٣) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ثم قال تعالى: {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض} أي: من الكواكب والجبال، والبحار والأنهار، وجميع ما تنتفعون به، أي: الجميع من فضله وإحسانه وامتنانه؛ ولهذا قال: {جميعا منه} أي: من عنده وحده لا شريك له في ذلك، كما قال تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} [النحل: 53] . وروى ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه} كل شيء هو من الله، وذلك الاسم فيه اسم من أسمائه، فذلك جميعا منه، ولا ينازعه فيه المنازعون، واستيقن أنه كذلك. وقال (1) ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا الفرياني، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن أبي أراكة قال: سأل رجل عبد الله بن عمرو قال: مم خلق الخلق؟ قال: من النور والنار، والظلمة والثرى. قال وائت ابن عباس فاسأله. فأتاه فقال له مثل ذلك، فقال: ارجع إليه فسله: مم خلق ذلك كله؟ فرجع إليه فسأله، فتلا {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه} هذا أثر غريب، وفيه نكارة. {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} وقوله: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} أي: يصفحوا عنهم ويحملوا (2) الأذى منهم. وهذا كان في ابتداء الإسلام، أمروا أن يصبروا على أذى المشركين وأهل الكتاب، ليكون ذلك لتأليف قلوبهم (3) ، ثم لما أصروا على العناد شرع الله للمؤمنين الجلاد والجهاد. هكذا روي عن ابن عباس، وقتادة. وقال مجاهد [في قوله] (4) {لا يرجون أيام الله} لا يبالون (5) نعم الله. وقوله: {ليجزي قوما بما كانوا يكسبون} أي: إذا صفحوا (6) عنهم في الدنيا، فإن الله مجازيهم بأعمالهم السيئة في الآخرة؛ ولهذا قال: {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون} أي: تعودون إليه يوم القيامة فتعرضون بأعمالكم [عليه] (7) فيجزيكم بأعمالكم خيرها وشرها.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٢٦٦) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
لتجري} [الجاثية: 12] السفن {فيه بأمره} [الجاثية: 12] لمعايشكم وتصرفكم في البلاد لطلب فضله فيها، ولتشكروا ربكم على تسخيره ذلك لكم فتعبدوه وتطيعوه فيما يأمركم به، وينهاكم عنه
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٧٨) ↗التحرير والتنوير
فجملة والذين كفروا عطف على جملة هذا هدى والمناسبة أن القرآن من جملة آيات الله وأنه مذكر بها، فالذين كفروا بآيات الله كفروا بالقرآن في عموم الآيات، وهذا واقع موقع التذييل لما تقدمه ابتداء من قوله: ويل لكل أفاك أثيم [الجاثية: 7] . وجيء بالموصول وصلته لما تشعر به الصلة من أنهم حقيقون بالعقاب. واستحضروا في هذا المقام بعنوان الكفر دون عنواني الإصرار والاستكبار اللذين استحضروا بهما في قوله: ثم يصر مستكبرا [الجاثية: 8] لأن الغرض هنا النعي عليهم إهمالهم الانتفاع بالقرآن وهو النعمة العظمى التي جاءتهم من الله فقابلوها بالكفران عوضا عن الشكر، كما جاء في قوله تعالى: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون [الواقعة: 82] . والرجز: أشد العذاب، قال تعالى: فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون [البقرة: 59] . ويجوز أن يكون حرف من للبيان فالعذاب هو الرجز ويجوز أن يكون للتبعيض، أي عذاب مما يسمى بالرجز وهو أشده. وأليم يجوز أن يكون وصفا ل عذاب فيكون مرفوعا وكذلك قرأه الجمهور. ويجوز أن يكون وصفا ل رجز فيكون مجرورا كما قرأه ابن كثير وحفص عن عاصم. [12] 12] الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (12) استئناف ابتدائي للانتقال من التذكير بما خلق الله من العوالم وتصاريف أحوالها من حيث إنها دلالات على الوحدانية، إلى التذكير بما سخر الله للناس من المخلوقات وتصاريفها من حيث كانت منافع للناس تقتضي أن يشكروا مقدرها
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٣٣٥) ↗