البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الجاثية · الآية ١١

﴿هَٰذَا هُدًى ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى خبرا يتضمن الأمر بتعظيم القرآن والاعتناء به، وأنه { تنزيل } { من الله } المألوه المعبود، لما اتصف به من صفات الكمال، وانفرد به من النعم، الذي له العزة الكاملة والحكمة التامة، ثم أيد ذلك بما ذكره من الآيات الأفقية والنفسية، من خلق السماوات والأرض، وما بث فيهما من الدواب، وما أودع فيهما من المنافع، وما أنزل الله من الماء، الذي يحيي به الله البلاد والعباد. فهذه كلها آيات بينات، وأدلة واضحات، على صدق هذا القرآن العظيم، وصحة ما اشتمل عليه من الحكم والأحكام، ودالات أيضا على ما لله تعالى من الكمال، وعلى البعث والنشور. ثم قسم تعالى الناس، بالنسبة إلى الانتفاع بآياته وعدمه، إلى قسمين: قسم يستدلون بها، ويتفكرون بها، وينتفعون فيرتفعون، وهم المؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، إيمانا تاما، وصل بهم إلى درجة اليقين، فزكى منهم العقول، وازدادت به معارفهم وألبابهم وعلومهم. وقسم يسمع آيات الله سماعا تقوم به الحجة عليهم، ثم يعرض عنها ويستكبر، كأنه ما سمعها، لأنها لم تزك قلبه، ولا طهرته، بل بسبب استكباره عنها ازداد طغيانه. وأنه إذا علم من آيات الله شيئا اتخذها هزوا، فتوعده الله تعالى بالويل فقال: { ويل لكل أفاك أثيم } أي: كذاب في مقاله، أثيم في فعاله. وأخبر أن له عذابا أليما، وأن { من ورآئهم جهنم } تكفي في عقوبتهم البليغة. وأنه { ولا يغني عنهم ما كسبوا } من الأموال { ولا ما اتخذوا من دون الله أوليآء } يستنصرون بهم فخذلوهم، أحوج ما كانوا إليهم لو نفعوا. فلما بين آياته القرآنية والعيانية، وأن الناس فيها على قسمين، أخبر أن القرآن المشتمل على هذه المطالب العالية، أنه هدى، فقال: { هذا هدى } وهذا وصف عام لجميع القرآن، فإنه يهدي إلى معرفة الله تعالى، بصفاته المقدسة، وأفعاله الحميدة، ويهدي إلى معرفة رسله، وأوليائه وأعدائه، وأوصافهم، ويهدي إلى الأعمال الصالحة ويدعو إليها، ويبين …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يقول تعالى: هذه آيات الله -يعني القرآن بما فيه من الحجج والبينات- {نتلوها عليك بالحق} أي: متضمنة الحق من الحق، فإذا كانوا لا يؤمنون بها ولا ينقادون لها، فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون؟! ثم قال: {ويل لكل أفاك أثيم} أي: أفاك في قوله كذاب، حلاف مهين أثيم في فعله وقيله (1) كافر بآيات الله؛ ولهذا قال: {يسمع آيات الله تتلى عليه} أي: تقرأ عليه {ثم يصر} أي: على كفره وجحوده استكبارا وعنادا {كأن لم يسمعها} أي: كأنه ما سمعها، {فبشره بعذاب أليم} [أي] (2) فأخبره أن له عند الله يوم القيامة عذابا أليما موجعا. {وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا} أي: إذا حفظ شيئا من القرآن كفر به واتخذه سخريا وهزوا، {أولئك لهم عذاب مهين} أي: في مقابلة ما استهان بالقرآن واستهزأ به؛ ولهذا روى مسلم في صحيحه عن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو (3) . ثم فسر العذاب الحاصل له يوم معاده (4) فقال: {من ورائهم جهنم} أي: كل من اتصف بذلك سيصيرون إلى جهنم يوم القيامة، {ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا} أي: لا تنفعهم أموالهم ولا أولادهم، {ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء} أي: ولا تغني عنهم الآلهة التي عبدوها من دون الله شيئا، {ولهم عذاب عظيم} ثم قال تعالى: {هذا هدى} يعني القرآن {والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم} وهو المؤلم (5) الموجع. يذكر تعالى نعمه على عبيده فيما سخر لهم من البحر {لتجري الفلك} ، وهي السفن فيه بأمره تعالى، فإنه هو الذي أمر البحر أن يحملها {ولتبتغوا من فضله} أي: في المتاجر والمكاسب، {ولعلكم تشكرون} أي: على حصول المنافع المجلوبة إليكم من الأقاليم النائية والآفاق القاصية.

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٢٦٥) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٧٧) ↗

التحرير والتنوير

عنهم، وتقدم في قوله: لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا في سورة آل عمران [10] . وما كسبوا: أموالهم. وشيئا منصوب على المفعولية المطلقة، أي شيئا من الإغناء لأن شيئا من أسماء الأجناس العالية فهو مفسر بما وقع قبله أو بعده، وتنكيره للتقليل، أي لا يدفع عنهم ولو قليلا من جهنم، أي عذابها. ولا ما اتخذوا عطف على ما كسبوا وأعيد حرف النفي للتأكيد، وأولياء مفعول ثان ل اتخذوا. وحذف مفعوله الأول وهو ضميرهم لوقوعه في حيز الصلة فإن حذف مثله في الصلة كثير. وأردف عذاب مهين بعطف ولهم عذاب عظيم لإفادة أن لهم عذابا غير ذلك وهو عذاب الدنيا بالقتل والأسر، فالعذاب الذي في قوله: ولهم عذاب عظيم غير العذاب الذي في قوله: أولئك لهم عذاب مهين. [11] 11] هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم (11) جملة هذا هدى استئناف ابتدائي انتقل به من وصف القرآن في ذاته بأنه منزل من الله وأنه من آيات الله إلى وصفه بأفضل صفاته بأنه هدى، فالإشارة بقوله: هذا إلى القرآن الذي هو في حال النزول والتلاوة فهو كالشيء المشاهد، ولأنه قد سبق من أوصافه من قوله: تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم [الجاثية: 2] وقوله: تلك آيات الله [الجاثية: 6] إلى آخره ما صيره متميزا شخصا بحسن الإشارة إليه. ووصف القرآن بأنه هدى من الوصف بالمصدر للمبالغة، أي: هاد للناس، فمن آمن فقد اهتدى ومن كفر به فله عذاب لأنه حرم نفسه من الهدى فكان في الضلال وارتبق في المفاسد والآثام.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٣٣٤) ↗