سورة الدخان · الآية ٢٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون } إلى آخر القصة لما ذكر تعالى تكذيب من كذب الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم، ذكر أن لهم سلفا من المكذبين، فذكر قصتهم مع موسى، وما أحل الله بهم، ليرتدع هؤلاء المكذبون عن ما هم عليه فقال: { ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون } أي: ابتليناهم واختبرناهم بإرسال رسولنا موسى بن عمران إليهم، الرسول الكريم، الذي فيه من الكرم ومكارم الأخلاق ما ليس في غيره، { أن أدوا إلي عباد الله } أي: قال لفرعون وملئه: أدوا إلي عباد الله، يعني بهم: بني إسرائيل، أي: أرسلوهم، وأطلقوهم من عذابكم وسومكم إياهم سوء العذاب، فإنهم عشيرتي وأفضل العالمين في زمانهم. وأنتم قد ظلمتموهم، واستعبدتموهم بغير حق، فأرسلوهم ليعبدوا ربهم، { إني لكم رسول أمين } أي: رسول من رب العالمين، أمين على ما أرسلني به، لا أكتمكم منه شيئا، ولا أزيد فيه ولا أنقص، وهذا يوجب تمام الانقياد له. { وأن لا تعلوا على الله } بالاستكبار عن عبادته والعلو على عباد الله، { إني آتيكم بسلطان مبين } أي: بحجة بينة ظاهرة، وهو ما أتى به من المعجزات الباهرات، والأدلة القاهرات، فكذبوه وهموا بقتله، فلجأ بالله من شرهم، فقال: { وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون } أي: تقتلوني أشر القتلات، بالرجم بالحجارة. { وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون } أي: لكم ثلاث مراتب: الإيمان بي، وهو مقصودي منكم، فإن لم تحصل منكم هذه المرتبة، فاعتزلوني لا علي ولا لي، فاكفوني شركم، فلم تحصل منهم المرتبة الأولى ولا الثانية، بل لم يزالوا متمردين عاتين على الله، محاربين لنبيه موسى عليه السلام، غير ممكنين له من قومه بني إسرائيل. { فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون } أي: قد أجرموا جرما، يوجب تعجيل العقوبة. فأخبر عليه السلام بحالهم، وهذا دعاء بالحال، التي هي أبلغ من المقال، كما قال عن نفسه عليه السلام رب إني لمآ أنزلت إلي من خير فقير [القصص: 24] فأمره الله أن يسري بعباده ليلا، وأخبره أن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… مسالمة إلى أن يقضي الله بيننا. فلما طال مقامه بين أظهرهم، وأقام حجج الله عليهم، كل ذلك وما زادهم ذلك إلا كفرا وعنادا، دعا ربه عليهم دعوة نفذت فيهم، كما قال تعالى: {وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما} [يونس: 88، 89] . وهكذا قال هاهنا: {فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون} فعند ذلك أمره الله تعالى أن يخرج ببني إسرائيل من بين أظهرهم من غير أمر فرعون ومشاورته واستئذانه؛ ولهذا قال: {فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون} كما قال: {ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى} [طه: 77] . وقوله هاهنا: {واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون} وذلك أن موسى، عليه السلام، لما جاوز هو وبنو إسرائيل البحر، أراد موسى أن يضربه بعصاه حتى يعود كما كان، ليصير حائلا بينهم وبين فرعون، فلا يصل إليهم. فأمره الله (5) أن يتركه على حاله ساكنا، وبشره بأنهم جند مغرقون فيه (6) ، وأنه لا يخاف دركا ولا يخشى. قال ابن عباس: {واترك البحر رهوا} كهيئته وامضه. وقال مجاهد {رهوا} طريقا يبسا كهيئته، يقول: لا تأمره يرجع، اتركه حتى يرجع آخرهم. وكذا قال عكرمة، والربيع بن أنس، والضحاك، وقتادة، وابن زيد وكعب الأحبار وسماك بن حرب، وغير واحد (7) . ثم قال تعالى: {كم تركوا من جنات} وهي البساتين {وعيون وزروع} والمراد بها الأنهار والآبار، {ومقام كريم} وهي المساكن الكريمة الأنيقة والأماكن الحسنة. وقال مجاهد، وسعيد بن جبير: {ومقام كريم} المنابر. وقال ابن لهيعة، عن وهب (8) بن عبد الله المعافري، عن عبد الله بن عمرو قال: نيل مصر سيد الأنهار، سخر الله له كل نهر بين المشرق والمغرب، وذلله له، فإذا أراد الله أن يجري نيل مصر أمر كل نهر أن يمده، فأمدته …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[الدخان: 22] يعني: أنهم مشركون بالله كافرون
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٣٣) ↗التحرير والتنوير
إليهم، فالتقدير: فلم يستجيبوا له فيما أمرهم، أو فأصروا على أذاه وعدم متاركته فدعا ربه، وهذا التقرير الثاني أليق بقوله: أن هؤلاء قوم مجرمون. وهذا كالتعقيب الذي في قوله تعالى: فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق [الشعراء: 63] ، وقوله: أن هؤلاء قوم مجرمون اتفق القراء العشرة على قراءته بفتح الهمزة وشد النون فما بعدها في قوة المصدر، فلذلك تقدر الباء التي يتعدى بها فعل (دعا) ، أي دعا ربه بما يجمعه هذا التركيب المستعمل في التعريض بأنهم استوجبوا تسليط العقاب الذي يدعو به الداعي، فالإخبار عن كونهم قوما مجرمين مستعمل في طلب المجازاة على الإجرام أو في الشكاية من اعتدائهم، أو في التخوف من شرهم إذا استمروا على عدم تسريح بني إسرائيل، وكل ذلك يقتضي الدعاء لكف شرهم، فلذلك أطلق على هذا الخبر فعل دعا. [23] 23] فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون (23) تفريع على جملة أن هؤلاء قوم مجرمون [الدخان: 22] ، والمفرع قول محذوف دلت عليه صيغة الكلام، أي فدعا فقلنا: أسر بعبادي. وقرأه نافع وابن كثير وأبو جعفر فأسر بهمزة وصل على أنه أمر من (سرى) ، وقرأه الباقون بهمزة قطع من (أسرى) يقال: سرى وأسرى. وقد تقدم عند قوله تعالى: سبحان الذي أسرى بعبده [الإسراء: 1] فتقييده بزمان الليل هنا نظير تقييده في سورة الإسراء، والمقصود منه تأكيد معنى الإسراء بأنه حقيقة وليس مستعملا مجازا في التبكير بناء على أن المتعارف في الرحيل أن يكون فجرا. وفائدة التأكيد أن يكون له من سعة الوقت ما يبلغون به إلى شاطىء البحر الأحمر قبل أن يدركهم فرعون بجنوده. وجملة إنكم متبعون تقيد تعليلا للأمر بالإسراء ليلا لأنه مما يستغرب، أي إنكم متبعون فأردنا أن تقطعوا مسافة يتعذر على فرعون لحاقكم. وتأكيد الخبر ب (إن) لتنزيل غير السائل منزلة السائل إذا قدم إليه ما يلوح له
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٢٩٩) ↗