سورة الدخان · الآية ٢٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون } إلى آخر القصة لما ذكر تعالى تكذيب من كذب الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم، ذكر أن لهم سلفا من المكذبين، فذكر قصتهم مع موسى، وما أحل الله بهم، ليرتدع هؤلاء المكذبون عن ما هم عليه فقال: { ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون } أي: ابتليناهم واختبرناهم بإرسال رسولنا موسى بن عمران إليهم، الرسول الكريم، الذي فيه من الكرم ومكارم الأخلاق ما ليس في غيره، { أن أدوا إلي عباد الله } أي: قال لفرعون وملئه: أدوا إلي عباد الله، يعني بهم: بني إسرائيل، أي: أرسلوهم، وأطلقوهم من عذابكم وسومكم إياهم سوء العذاب، فإنهم عشيرتي وأفضل العالمين في زمانهم. وأنتم قد ظلمتموهم، واستعبدتموهم بغير حق، فأرسلوهم ليعبدوا ربهم، { إني لكم رسول أمين } أي: رسول من رب العالمين، أمين على ما أرسلني به، لا أكتمكم منه شيئا، ولا أزيد فيه ولا أنقص، وهذا يوجب تمام الانقياد له. { وأن لا تعلوا على الله } بالاستكبار عن عبادته والعلو على عباد الله، { إني آتيكم بسلطان مبين } أي: بحجة بينة ظاهرة، وهو ما أتى به من المعجزات الباهرات، والأدلة القاهرات، فكذبوه وهموا بقتله، فلجأ بالله من شرهم، فقال: { وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون } أي: تقتلوني أشر القتلات، بالرجم بالحجارة. { وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون } أي: لكم ثلاث مراتب: الإيمان بي، وهو مقصودي منكم، فإن لم تحصل منكم هذه المرتبة، فاعتزلوني لا علي ولا لي، فاكفوني شركم، فلم تحصل منهم المرتبة الأولى ولا الثانية، بل لم يزالوا متمردين عاتين على الله، محاربين لنبيه موسى عليه السلام، غير ممكنين له من قومه بني إسرائيل. { فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون } أي: قد أجرموا جرما، يوجب تعجيل العقوبة. فأخبر عليه السلام بحالهم، وهذا دعاء بالحال، التي هي أبلغ من المقال، كما قال عن نفسه عليه السلام رب إني لمآ أنزلت إلي من خير فقير [القصص: 24] فأمره الله أن يسري بعباده ليلا، وأخبره أن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… الذي خلقني وخلقكم [من] (3) أن تصلوا إلي بسوء من قول أو فعل. {وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون} أي: فلا تتعرضوا (4) إلي، ودعوا الأمر بيني وبينكم مسالمة إلى أن يقضي الله بيننا. فلما طال مقامه بين أظهرهم، وأقام حجج الله عليهم، كل ذلك وما زادهم ذلك إلا كفرا وعنادا، دعا ربه عليهم دعوة نفذت فيهم، كما قال تعالى: {وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما} [يونس: 88، 89] . وهكذا قال هاهنا: {فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون} فعند ذلك أمره الله تعالى أن يخرج ببني إسرائيل من بين أظهرهم من غير أمر فرعون ومشاورته واستئذانه؛ ولهذا قال: {فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون} كما قال: {ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى} [طه: 77] . وقوله هاهنا: {واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون} وذلك أن موسى، عليه السلام، لما جاوز هو وبنو إسرائيل البحر، أراد موسى أن يضربه بعصاه حتى يعود كما كان، ليصير حائلا بينهم وبين فرعون، فلا يصل إليهم. فأمره الله (5) أن يتركه على حاله ساكنا، وبشره بأنهم جند مغرقون فيه (6) ، وأنه لا يخاف دركا ولا يخشى. قال ابن عباس: {واترك البحر رهوا} كهيئته وامضه. وقال مجاهد {رهوا} طريقا يبسا كهيئته، يقول: لا تأمره يرجع، اتركه حتى يرجع آخرهم. وكذا قال عكرمة، والربيع بن أنس، والضحاك، وقتادة، وابن زيد وكعب الأحبار وسماك بن حرب، وغير واحد (7) . ثم قال تعالى: {كم تركوا من جنات} وهي البساتين {وعيون وزروع} والمراد بها الأنهار والآبار، {ومقام كريم} وهي المساكن الكريمة الأنيقة والأماكن الحسنة. وقال مجاهد، وسعيد بن جبير: {ومقام كريم} المنابر. وقال ابن لهيعة، عن وهب (8) بن عبد الله المعافري، عن عبد الله بن عمرو …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[الدخان: 22] يعني: أنهم مشركون بالله كافرون
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢١/٣٣) ↗التحرير والتنوير
وإنما استعاذ موسى منه لأنه علم أن عادتهم عقاب من يخالف دينهم بالقتل رميا بالحجارة. وجاء في سورة القصص [33] فأخاف أن يقتلون. ومعنى ذلك إن لم تؤمنوا بما جئت به فلا تقتلوني، كما دل عليه تعقيبه بقوله: وإن لم تؤمنوا لي. والمعنى: إن لم تؤمنوا بالمعجزة التي آتيكم بها فلا ترجموني فإني أعوذ بالله من أن ترجموني ولكن اعتزلوني فكونوا غير موالين لي وأكون مع قرمي بني إسرائيل، فالتقدير: فاعتزلوني وأعتزلكم لأن الاعتزال لا يتحقق إلا من جانبين. وجيء في شرط إن لم تؤمنوا لي بحرف إن التي شأنها أن تستعمل في الشرط غير المتيقن لأن عدم الإيمان به بعد دلالة المعجزة على صدقه من شأنه أن يكون غير واقع فيفرض عدمه كما يفرض المحال. ولعله قال ذلك قبل أن يعلمه الله بإخراج بني إسرائيل من مصر، أو أراد: فاعتزلوني زمنا، يعني إلى أن يعين له الله زمن الخروج. وعدي تؤمنوا باللام لأنه يقال: آمن به وآمن له، قال تعالى: فآمن له لوط [العنكبوت: 26] ، وأصل هذه اللام لام العلة على تضمين فعل الإيمان معنى الركون. وقد جاء ترتيب فواصل هذا الخطاب على مراعاة ما يبدو من فرعون وقومه عند إلقاء موسى دعوته عليهم إذ ابتدأ بإبلاغ ما أرسل به إليهم فآنس منهم التعجب والتردد فقال: إني لكم رسول أمين، فرأى منهم الصلف والأنفة فقال: وأن لا تعلوا على الله فلم يرعووا فقال: إني آتيكم بسلطان مبين، فلاحت عليهم علامات إضمار السوء له فقال: وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون، فكان هذا الترتيب بين الجمل مغنيا عن ذكر ما أجابوا به على أبدع إيجاز. [22] 22] فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون (22) التعقيب المفاد بالفاء تعقيب على محذوف يقتضي هذا الدعاء إذ ليس في المذكور قبل الفاء ما يناسبه التعقيب بهذا الدعاء إذ المذكور قبله كلام من موسى
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٢٩٨) ↗