البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الزخرف · الآية ٣٨

﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى عن عقوبته البليغة، لمن أعرض عن ذكره، فقال: { ومن يعش } أي: يعرض ويصد { عن ذكر الرحمن } الذي هو القرآن العظيم، الذي هو أعظم رحمة رحم بها الرحمن عباده، فمن قبلها، فقد قبل خير المواهب، وفاز بأعظم المطالب والرغائب، ومن أعرض عنها وردها، فقد خاب وخسر خسارة لا يسعد بعدها أبدا، وقيض له الرحمن شيطانا مريدا، يقارنه ويصاحبه، ويعده ويمنيه، ويؤزه إلى المعاصي أزا، { وإنهم ليصدونهم عن السبيل } أي: الصراط المستقيم، والدين القويم. { ويحسبون أنهم مهتدون } بسبب تزيين الشيطان للباطل وتحسينه له، وإعراضهم عن الحق، فاجتمع هذا وهذا. فإن قيل: فهل لهذا من عذر، من حيث إنه ظن أنه مهتد، وليس كذلك؟ قيل: لا عذر لهذا وأمثاله، الذين مصدر جهلهم الإعراض عن ذكر الله، مع تمكنهم على الاهتداء، فزهدوا في الهدى مع القدرة عليه، ورغبوا في الباطل، فالذنب ذنبهم، والجرم جرمهم. فهذه حالة هذا المعرض عن ذكر الله في الدنيا، مع قرينه، وهو الضلال والغي، وانقلاب الحقائق. وأما حاله، إذا جاء ربه في الآخرة، فهو شر الأحوال، وهو: إظهار الندم والتحسر، والحزن الذي لا يجبر مصابه، والتبري من قرينه، ولهذا قال تعالى: { حتى إذا جآءنا قال يليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين }. كما في قوله تعالى: ويوم يعض الظالم على يديه يقول يليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جآءني وكان الشيطان للإنسان خذولا [الفرقان: 27-29]. وقوله تعالى: { ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون } أي: ولا ينفعكم يوم القيامة اشتراككم في العذاب، أنتم وقرناؤكم وأخلاؤكم، وذلك لأنكم اشتركتم في الظلم، فاشتركتم في عقابه وعذابه. ولن ينفعكم أيضا، روح التسلي في المصيبة، فإن المصيبة إذا وقعت في الدنيا، واشترك فيها المعاقبون، هان عليهم بعض الهون، وتسلى بعضهم ببعض، وأما مصيبة الآخرة، فإنها جمعت كل عقاب، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يقول تعالى: {ومن يعش} أي: يتعامى ويتغافل ويعرض، {عن ذكر الرحمن} والعشا في العين: ضعف بصرها. والمراد هاهنا: عشا البصيرة، {نقيض له شيطانا فهو له قرين} كقوله: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} [النساء: 115] ، وكقوله: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} [الصف: 5] ، وكقوله: {وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين} [فصلت:25] ؛ ولهذا قال هاهنا: {وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون. حتى إذا جاءنا} أي: هذا الذي تغافل عن الهدى نقيض له من الشياطين من يضله، ويهديه إلى صراط الجحيم. فإذا وافى الله يوم القيامة يتبرم بالشيطان الذي وكل به، {قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين} [أي: فبئس القرين كنت لي في الدنيا] (1) وقرأ بعضهم: "حتى إذا جاءانا" يعني: القرين والمقارن. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن سعيد الجريري قال: بلغنا أن الكافر إذا بعث من قبره يوم القيامة سفع بيده شيطان فلم يفارقه، حتى يصيرهما الله تعالى إلى النار، فذلك حين يقول: {يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين} (2) والمراد بالمشرقين هنا (3) هو ما بين المشرق والمغرب. وإنما استعمل هاهنا تغليبا، كما يقال (4) القمران، والعمران، والأبوان، [والعسران] (5) . قاله ابن جرير وغيره. [ولما كان الاشتراك في المصيبة في الدنيا يحصل به تسلية لمن شاركه في مصيبته، كما قالت الخنساء تبكي أخاها: ولولا كثرة الباكين حولي %~% على قتلاهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن %~% أسلي النفس عنه بالتأسي قطع الله بذلك بين أهل النار، فلا يحصل لهم بذلك تأسي وتسلية ولا تخفيف] . (6) ثم قال تعالى: {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون} أي: لا يغني عنكم اجتماعكم في النار واشتراككم في …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

(حتى إذا جاءانا) على التثنية بمعنى: حتى إذا جاءنا هذا الذي عشي عن ذكر الرحمن وقرينه الذي قيض له من الشياطين وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة والبصرة وابن محيصن {حتى إذا جاءنا} [الزخرف: 38] على التوحيد بمعنى: حتى إذا جاءنا هذا العاشي من بني آدم عن ذكر الرحمن والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان متقاربتا المعنى وذلك أن في خبر الله تبارك وتعالى عن حال أحد الفريقين عند مقدمه عليه فيما أقرنا فيه في الدنيا، الكفاية للسامع عن خبر الآخر، إذ كان الخبر عن حال أحدهما معلوما به خبر حال الآخر، وهما مع ذلك قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٥٩٧) ↗

التحرير والتنوير

فضمير: أحرزوا، لجمع المشركين، وضمير: جمعوا، للمسلمين. وضمير الجمع في قوله تعالى: وعمروها أكثر مما عمروها في سورة الروم [9] . والتعريف في السبيل تعريف الجنس. والسبيل: الطريق السابلة الممتدة الموصلة إلى المطلوب. وقد مثلت حالة الذين يعشون عن ذكر الرحمان وحال مقارنة الشياطين لهم بحال من استهدى قوما ليدلوه على طريق موصل لبغيته فضللوه وصرفوه عن السبيل وأسلكوه في فيافي التيه غشا وخديعة، وهو يحسب أنه سائر إلى حيث يبلغ طلبته. فجملة ويحسبون أنهم مهتدون معطوفة على جملة وإنهم، فهي في معنى الحال من الضمير في قوله فهو [الزخرف: 36] والرابط واو الحال، والتقدير: ويحسب المصدودون أنهم مهتدون بهم إلى السبيل. والاهتداء: العلم بالطريق الموصل إلى المقصود. [38] 38] حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين (38) حتى ابتدائية، وهي تفيد التسبب الذي هو غاية مجازية. فاستعمال حتى فيه استعارة تبعية. وليست في الآية دلالة على دوام الصد عن السبيل وحسبان الآخرين الاهتداء إلى فناء القرينين، إذ قد يؤمن الكافر فينقطع الصد والحسبان فلا تغتر بتوهم من يزعمون أن الغاية الحقيقية لا تفارق حتى في جميع استعمالاتها. وقرأ نافع وابن كثير وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر جاآنا بألف ضمير المثنى عائدا على من يعش عن ذكر الرحمان وقرينه، أي شيطانه، وأفرد ضمير قال لرجوعه إلى من يعش عن ذكر الرحمان خاصة، أي قال الكافر متندما على ما فرط من اتباعه إياه وائتماره بأمره.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٢١٢) ↗