البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الزخرف · الآية ٣٧

﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى عن عقوبته البليغة، لمن أعرض عن ذكره، فقال: { ومن يعش } أي: يعرض ويصد { عن ذكر الرحمن } الذي هو القرآن العظيم، الذي هو أعظم رحمة رحم بها الرحمن عباده، فمن قبلها، فقد قبل خير المواهب، وفاز بأعظم المطالب والرغائب، ومن أعرض عنها وردها، فقد خاب وخسر خسارة لا يسعد بعدها أبدا، وقيض له الرحمن شيطانا مريدا، يقارنه ويصاحبه، ويعده ويمنيه، ويؤزه إلى المعاصي أزا، { وإنهم ليصدونهم عن السبيل } أي: الصراط المستقيم، والدين القويم. { ويحسبون أنهم مهتدون } بسبب تزيين الشيطان للباطل وتحسينه له، وإعراضهم عن الحق، فاجتمع هذا وهذا. فإن قيل: فهل لهذا من عذر، من حيث إنه ظن أنه مهتد، وليس كذلك؟ قيل: لا عذر لهذا وأمثاله، الذين مصدر جهلهم الإعراض عن ذكر الله، مع تمكنهم على الاهتداء، فزهدوا في الهدى مع القدرة عليه، ورغبوا في الباطل، فالذنب ذنبهم، والجرم جرمهم. فهذه حالة هذا المعرض عن ذكر الله في الدنيا، مع قرينه، وهو الضلال والغي، وانقلاب الحقائق. وأما حاله، إذا جاء ربه في الآخرة، فهو شر الأحوال، وهو: إظهار الندم والتحسر، والحزن الذي لا يجبر مصابه، والتبري من قرينه، ولهذا قال تعالى: { حتى إذا جآءنا قال يليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين }. كما في قوله تعالى: ويوم يعض الظالم على يديه يقول يليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جآءني وكان الشيطان للإنسان خذولا [الفرقان: 27-29]. وقوله تعالى: { ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون } أي: ولا ينفعكم يوم القيامة اشتراككم في العذاب، أنتم وقرناؤكم وأخلاؤكم، وذلك لأنكم اشتركتم في الظلم، فاشتركتم في عقابه وعذابه. ولن ينفعكم أيضا، روح التسلي في المصيبة، فإن المصيبة إذا وقعت في الدنيا، واشترك فيها المعاقبون، هان عليهم بعض الهون، وتسلى بعضهم ببعض، وأما مصيبة الآخرة، فإنها جمعت كل عقاب، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يقول تعالى: {ومن يعش} أي: يتعامى ويتغافل ويعرض، {عن ذكر الرحمن} والعشا في العين: ضعف بصرها. والمراد هاهنا: عشا البصيرة، {نقيض له شيطانا فهو له قرين} كقوله: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} [النساء: 115] ، وكقوله: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} [الصف: 5] ، وكقوله: {وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين} [فصلت:25] ؛ ولهذا قال هاهنا: {وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون. حتى إذا جاءنا} أي: هذا الذي تغافل عن الهدى نقيض له من الشياطين من يضله، ويهديه إلى صراط الجحيم. فإذا وافى الله يوم القيامة يتبرم بالشيطان الذي وكل به، {قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين} [أي: فبئس القرين كنت لي في الدنيا] (1) وقرأ بعضهم: "حتى إذا جاءانا" يعني: القرين والمقارن. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن سعيد الجريري قال: بلغنا أن الكافر إذا بعث من قبره يوم القيامة سفع بيده شيطان فلم يفارقه، حتى يصيرهما الله تعالى إلى النار، فذلك حين يقول: {يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين} (2) والمراد بالمشرقين هنا (3) هو ما بين المشرق والمغرب. وإنما استعمل هاهنا تغليبا، كما يقال (4) القمران، والعمران، والأبوان، [والعسران] (5) . قاله ابن جرير وغيره. [ولما كان الاشتراك في المصيبة في الدنيا يحصل به تسلية لمن شاركه في مصيبته، كما قالت الخنساء تبكي أخاها: ولولا كثرة الباكين حولي %~% على قتلاهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن %~% أسلي النفس عنه بالتأسي قطع الله بذلك بين أهل النار، فلا يحصل لهم بذلك تأسي وتسلية ولا تخفيف] . (6) ثم قال تعالى: {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون} أي: لا يغني عنكم اجتماعكم في النار واشتراككم في …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون} [الزخرف: 37] يقول تعالى ذكره: ومن يعرض عن ذكر الله فلم يخف سطوته، ولم يخش عقابه {نقيض له شيطانا فهو له قرين} [الزخرف: 36] يقول: نجعل له شيطانا يغويه فهو له قرين: يقول: فهو للشيطان قرين، أي يصير كذلك، وأصل العشو: النظر بغير ثبت لعلة في العين، يقال منه: عشا فلان يعشو عشوا وعشوا: إذا ضعف بصره، وأظلمت عينه، كأن عليه غشاوة، كما قال الشاعر: متى تأته تعشو إلى ضوء ناره %~% تجد حطبا جزلا ونارا تأججا يعني: متى تفتقر فتأته يعنك، وأما إذا ذهب البصر ولم يبصر، فإنه يقال فيه: عشي فلان يعشى عشى منقوص، ومنه قول الأعشى: رأت رجلا عائب الوافدين %~% مختلف الخلق أعشى ضريرا يقال منه: رجل أعشى وامرأة عشواء وإنما معنى الكلام: ومن لا ينظر في حجج الله بالإعراض منه عنه إلا نظرا ضعيفا، كنظر من قد عشي بصره {نقيض له شيطانا} [الزخرف: 36]

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٥٩٥) ↗

التحرير والتنوير

متعلقه في قوله: له قرين للاهتمام بضمير من يعش عن ذكر الرحمن أي قرين له مقارنة تامة. وقرأ الجمهور نقيض بنون العظمة. وقرأ يعقوب بياء الغائب عائدا ضميره على الرحمن. [37] 37] وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (37) في موضع الحال من الضمير في قوله فهو له قرين [الزخرف: 36] أي مقارنة صد عن السبيل. وضميرا إنهم و (يصدون) عائدان إلى شيطانا [الزخرف: 36] لأنه لما وقع من متعلقات الفعل الواقع جواب شرط اكتسب العموم تبعا لعموم من في سياق الشرط فإنها من صيغ العموم مثل النكرة الواقعة في سياق الشرط على خلاف بين أيمة أصول الفقه في عموم النكرة الواقعة في سياق الشرط ولكنه لا يجري هنا لأن عموم شيطانا تابع لعموم من إذ أجزاء جواب الشرط تجري على حكم أجزاء جملة الشرط، فقرينة عموم النكرة هنا لا تترك مجالا للتردد فيه لأجل القرينة لا لمطلق وقوع النكرة في سياق الشرط. وضمير النصب في (يصدونهم) عائد إلى من لأن من الشرطية عامة فكأنه قيل: كل من يعشو عن ذكر الرحمان نقيض لهم شياطين لكل واحد شيطان. وضميرا يحسبون أنهم مهتدون عائدان إلى ما عاد إليه ضمير النصب من (يصدونهم) ، أي ويحسب المصدودون عن السبيل أنفسهم مهتدين. وقد تتشابه الضمائر فترد القرينة كل ضمير إلى معاده كما في قول عباس بن مرداس: عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم ... بالمسلمين وأحرزوا ما جمعوا

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٢١١) ↗