سورة الزخرف · الآية ٣٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن عقوبته البليغة، لمن أعرض عن ذكره، فقال: { ومن يعش } أي: يعرض ويصد { عن ذكر الرحمن } الذي هو القرآن العظيم، الذي هو أعظم رحمة رحم بها الرحمن عباده، فمن قبلها، فقد قبل خير المواهب، وفاز بأعظم المطالب والرغائب، ومن أعرض عنها وردها، فقد خاب وخسر خسارة لا يسعد بعدها أبدا، وقيض له الرحمن شيطانا مريدا، يقارنه ويصاحبه، ويعده ويمنيه، ويؤزه إلى المعاصي أزا، { وإنهم ليصدونهم عن السبيل } أي: الصراط المستقيم، والدين القويم. { ويحسبون أنهم مهتدون } بسبب تزيين الشيطان للباطل وتحسينه له، وإعراضهم عن الحق، فاجتمع هذا وهذا. فإن قيل: فهل لهذا من عذر، من حيث إنه ظن أنه مهتد، وليس كذلك؟ قيل: لا عذر لهذا وأمثاله، الذين مصدر جهلهم الإعراض عن ذكر الله، مع تمكنهم على الاهتداء، فزهدوا في الهدى مع القدرة عليه، ورغبوا في الباطل، فالذنب ذنبهم، والجرم جرمهم. فهذه حالة هذا المعرض عن ذكر الله في الدنيا، مع قرينه، وهو الضلال والغي، وانقلاب الحقائق. وأما حاله، إذا جاء ربه في الآخرة، فهو شر الأحوال، وهو: إظهار الندم والتحسر، والحزن الذي لا يجبر مصابه، والتبري من قرينه، ولهذا قال تعالى: { حتى إذا جآءنا قال يليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين }. كما في قوله تعالى: ويوم يعض الظالم على يديه يقول يليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جآءني وكان الشيطان للإنسان خذولا [الفرقان: 27-29]. وقوله تعالى: { ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون } أي: ولا ينفعكم يوم القيامة اشتراككم في العذاب، أنتم وقرناؤكم وأخلاؤكم، وذلك لأنكم اشتركتم في الظلم، فاشتركتم في عقابه وعذابه. ولن ينفعكم أيضا، روح التسلي في المصيبة، فإن المصيبة إذا وقعت في الدنيا، واشترك فيها المعاقبون، هان عليهم بعض الهون، وتسلى بعضهم ببعض، وأما مصيبة الآخرة، فإنها جمعت كل عقاب، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… إلى النار، فذلك حين يقول: {يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين} (2) والمراد بالمشرقين هنا (3) هو ما بين المشرق والمغرب. وإنما استعمل هاهنا تغليبا، كما يقال (4) القمران، والعمران، والأبوان، [والعسران] (5) . قاله ابن جرير وغيره. [ولما كان الاشتراك في المصيبة في الدنيا يحصل به تسلية لمن شاركه في مصيبته، كما قالت الخنساء تبكي أخاها: ولولا كثرة الباكين حولي %~% على قتلاهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن %~% أسلي النفس عنه بالتأسي قطع الله بذلك بين أهل النار، فلا يحصل لهم بذلك تأسي وتسلية ولا تخفيف] . (6) ثم قال تعالى: {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون} أي: لا يغني عنكم اجتماعكم في النار واشتراككم في العذاب الأليم. وقوله: {أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين} أي: ليس ذلك إليك، إنما عليك البلاغ، وليس عليك هداهم، ولكن الله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وهو الحكم العدل (7) في ذلك.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٢٢٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
(حتى إذا جاءانا) على التثنية بمعنى: حتى إذا جاءنا هذا الذي عشي عن ذكر الرحمن وقرينه الذي قيض له من الشياطين وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة والبصرة وابن محيصن {حتى إذا جاءنا} [الزخرف: 38] على التوحيد بمعنى: حتى إذا جاءنا هذا العاشي من بني آدم عن ذكر الرحمن والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان متقاربتا المعنى وذلك أن في خبر الله تبارك وتعالى عن حال أحد الفريقين عند مقدمه عليه فيما أقرنا فيه في الدنيا، الكفاية للسامع عن خبر الآخر، إذ كان الخبر عن حال أحدهما معلوما به خبر حال الآخر، وهما مع ذلك قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٥٩٧) ↗التحرير والتنوير
والمقصود تحذير الناس من قرين السوء وذم الشياطين ليعافهم الناس كقوله: إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا [فاطر: 6] . [39] 39] ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون (39) الظاهر أن هذه الجملة معطوفة على جملة قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين [الزخرف: 38] وأن قولا محذوفا دل عليه فعل جاءنا [الزخرف: 38] الدال على أن الفريقين حضرا للحساب وتلك الحضرة تؤذن بالمقاولة فإن الفريقين لما حضرا وتبرأ أحدهما من الآخر قصدا للتفصي من المؤاخذة كما تقدمت الإشارة إليه آنفا فيقول الله ولن ينفعكم اليوم أنكم في العذاب مشتركون. والخطاب موجه للذين عشوا عن ذكر الرحمان ولشياطينهم. وفي هذا الكلام إشارة إلى كلام مطوي، والتقدير: لا تلقوا التبعة على القرناء فأنتم مؤاخذون بطاعتهم وهم مؤاخذون بإضلالكم وأنتم مشتركون في العذاب ولن ينفعكم أنكم في العذاب مشتركون لأن عذاب فريق لا يخفف عن فريق كما قال تعالى: ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون [الأعراف: 38] . ووقوع فعل ينفعكم في سياق النفي يدل على نفي أن يكون الاشتراك في العذاب نافعا بحال لأنه لا يخفف عن الشريك من عذابه. وأما ما يتعارفه الناس من تسلي أحد برؤية مثله ممن مني بمصيبة فذلك من أوهام البشر في الحياة الدنيا، ولعل الله جعل لهم ذلك رحمة بهم في الدنيا، وأما الآخرة فعالم الحقائق دون الأوهام. وفي هذا التوهم جاء قول الخنساء: ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي وقرأ الجمهور أنكم بفتح همزة (أن) على جعل المصدر فاعلا. وقرأ ابن عامر إنكم بكسر الهمزة على الاستئناف ويكون الوقف عند قوله: إذ ظلمتم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٢١٤) ↗