سورة الزخرف · الآية ٢٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن شناعة قول المشركين، الذين جعلوا لله تعالى ولدا، وهو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولم يكن له كفوا أحد، وإن ذلك باطل من عدة أوجه: منها: أن الخلق كلهم عباده، والعبودية تنافي الولادة. ومنها: أن الولد جزء من والده، والله تعالى بائن من خلقه، مباين لهم في صفاته ونعوت جلاله، والولد جزء من الوالد، فمحال أن يكون لله تعالى ولد. ومنها: أنهم يزعمون أن الملائكة بنات الله، ومن المعلوم أن البنات أدون الصنفين، فكيف يكون لله البنات، ويصطفيهم بالبنين، ويفضلهم بها؟! فإذا يكونون أفضل من الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ومنها: أن الصنف الذي نسبوه لله، وهو البنات، أدون الصنفين، وأكرههما لهم، حتى إنهم من كراهتهم لذلك { وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا } من كراهته وشدة بغضه، فكيف يجعلون لله ما يكرهون؟ ومنها: أن الأنثى ناقصة في وصفها، وفي منطقها وبيانها، ولهذا قال تعالى: { أومن ينشأ في الحلية } أي: يجمل فيها، لنقص جماله، فيجمل بأمر خارج عنه؟ { وهو في الخصام } أي: عند الخصام الموجب لإظهار ما عند الشخص من الكلام، { غير مبين } أي: غير مبين لحجته، ولا مفصح عما احتوى عليه ضميره، فكيف ينسبونهن لله تعالى؟ ومنها: أنهم جعلوا الملائكة الذين هم عباد الله إناثا، فتجرؤوا على الملائكة، العباد المقربين، ورقوهم عن مرتبة العبادة والذل، إلى مرتبة المشاركة لله، في شيء من خواصه، ثم نزلوا بهم عن مرتبة الذكورية إلى مرتبة الأنوثية، فسبحان من أظهر تناقض من كذب عليه وعاند رسله. ومنها: أن الله رد عليهم بأنهم لم يشهدوا خلق الله لملائكته، فكيف يتكلمون بأمر من المعلوم عند كل أحد، أنه ليس لهم به علم؟! ولكن لا بد أن يسألوا عن هذه الشهادة، وستكتب عليهم، ويعاقبون عليها. وقوله تعالى: { وقالوا لو شآء الرحمن ما عبدناهم } فاحتجوا على عبادتهم الملائكة بالمشيئة، وهي حجة لم يزل …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها [فحق عليها القول فدمرناها تدميرا] (3) } [الإسراء: 16] ، قيل: معناه: أمرناهم بالطاعات، فخالفوا، فدمرناهم. وقيل: أمرناهم أمرا قدريا، كما قال هاهنا: {ليمكروا فيها} وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: {أكابر مجرميها} قال: سلطنا شرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم بالعذاب. وقال مجاهد وقتادة: {أكابر مجرميها} قال عظماؤها. قلت: وهذا كقوله تعالى: {وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون * وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين} [سبأ: 34، 35] ، وقال تعالى: {وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} [الزخرف: 23] . والمراد بالمكر هاهنا دعاؤهم إلى الضلالة بزخرف من المقال والفعال، كما قال تعالى إخبارا عن قوم نوح: {ومكروا مكرا كبارا} [نوح: 22] ، وقال تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين * قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين * وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا [وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون] } (4) [سبأ: 31 -33] .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٣٣١) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
قبلك يا محمد في قرية، يعني إلى أهلها رسلا تنذرهم عقابنا على كفرهم بنا فأنذروهم وحذروهم سخطنا، وحلول عقوبتنا بهم {إلا قال مترفوها} [سبأ: 34] ، وهم رؤساؤهم وكبراؤهم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٥٧٢) ↗التحرير والتنوير
23] وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون (23) جملة معترضة لتسلية النبيء صلى الله عليه وسلم على تمسك المشركين بدين آبائهم والإشارة إلى المذكور من قولهم: إنا وجدنا آباءنا على أمة [الزخرف: 22] ، أي ومثل قولهم ذلك، قال المترفون من أهل القرى المرسل إليهم الرسل من قبلك. والواو للعطف أو للاعتراض وما الواو الاعتراضية في الحقيقة إلا تعطف الجملة المعترضة على الجملة التي قبلها عطفا لفظيا. والمقصود أن هذه شنشنة أهل الضلال من السابقين واللاحقين، قد استووا فيه كما استووا في مثاره وهو النظر القاصر المخطئ، كما قال تعالى: أتواصوا به بل هم قوم طاغون [الذاريات: 53] ، أي بل هم اشتركوا في سببه الباعث عليه وهو الطغيان. ويتضمن هذا تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم على ما لقيه من قومه، بأن الرسل من قبله لقوا مثل ما لقي. وكاف التشبيه متعلق بقوله: قال مترفوها. وقدم على متعلقه للاهتمام بهذه المشابهة والتشويق لما يرد بعد اسم الإشارة. وجملة إلا قال مترفوها في موضع الحال لأن الاستثناء هنا من أحوال مقدرة أي ما أرسلنا إلى أهل قرية في حال من أحوالهم إلا في حال قول قاله مترفوها: إنا وجدنا آباءنا إلخ. والمترفون: جمع المترف وهو الذي أعطي الترف، أي النعمة، وتقدم في قوله تعالى: وارجعوا إلى ما أترفتم فيه في سورة الأنبياء [13] . والمعنى: أنهم مثل قريش في الازدهاء بالنعمة التي هم فيها، أي في بطر نعمة الله عليهم. فالتشبيه يقتضي أنهم مثل الأمم السالفة في سبب الازدهاء وهو ما هم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/١٨٨) ↗