سورة الزخرف · الآية ١٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن المشركين، أنك لو { سألتهم من خلق السموت والأرض ليقولن } الله وحده لا شريك له، العزيز الذي دانت لعزته جميع المخلوقات، العليم بظواهر الأمور وبواطنها، وأوائلها وأواخرها، فإذا كانوا مقرين بذلك، فكيف يجعلون له الولد والصاحبة والشريك؟! وكيف يشركون به من لا يخلق ولا يرزق، ولا يميت ولا يحيي؟! ثم ذكر أيضا من الأدلة الدالة على كمال نعمته واقتداره، بما خلقه لعباده من الأرض التي مهدها وجعلها قرارا للعباد، يتمكنون فيها من كل ما يريدون. { وجعل لكم فيها سبلا } أي: جعل منافذ بين سلاسل الجبال المتصلة، تنفذون منها إلى ما وراءها من الأقطار. { لعلكم تهتدون } في السير في الطرق ولا تضيعون، ولعلكم تهتدون أيضا في الاعتبار بذلك والادكار فيه. { والذي نزل من السمآء مآء بقدر } لا يزيد ولا ينقص، ويكون أيضا بمقدار الحاجة، لا ينقص بحيث لا يكون فيه نفع، ولا يزيد بحيث يضر العباد والبلاد، بل أغاث به العباد، وأنقذ به البلاد من الشدة، ولهذا قال: { فأنشرنا به بلدة ميتا } أي: أحييناها بعد موتها، { كذلك تخرجون } أي: فكما أحيا الأرض الميتة الهامدة بالماء، كذلك يحييكم بعد ما تستكملون في البرزخ، ليجازيكم بأعمالكم. { والذي خلق الأزواج كلها } أي: الأصناف جميعها، مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون، من ليل ونهار، وحر وبرد، وذكر وأنثى، وغير ذلك. { وجعل لكم من الفلك } أي: السفن البحرية، الشراعية والنارية، ما تركبون { و } من { الأنعام ما تركبون * لتستووا على ظهوره } وهذا شامل لظهور الفلك ولظهور الأنعام، أي: لتستقروا عليها، { ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه } بالاعتراف بالنعمة لمن سخرها، والثناء عليه تعالى بذلك، ولهذا قال: { وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين } أي: لولا تسخيره لنا ما سخر من الفلك، والأنعام، ما كنا مطيقين لذلك وقادرين عليه، ولكن من لطفه وكرمه تعالى، سخرها وذللها ويسر …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وفي قراءة بعضهم "مهدا" أي: قرارا تستقرون (1) عليها وتقومون وتنامون عليها (2) وتسافرون (3) على ظهرها، {وسلك لكم فيها سبلا} أي: جعل لكم طرقا تمشون في مناكبها، كما قال تعالى: {وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون} [الأنبياء: 31] . {وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى} أي: [من] (4) ألوان النباتات من زروع وثمار، ومن حامض وحلو، وسائر الأنواع. {كلوا وارعوا أنعامكم} أي: شيء لطعامكم وفاكهتكم، وشيء لأنعامكم لأقواتها خضرا ويابسا. {إن في ذلك لآيات} أي: لدلالات وحججا (5) وبراهين {لأولي النهى} أي: لذوي العقول السليمة المستقيمة، على أنه لا إله إلا الله، ولا رب سواه. {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} أي: من الأرض مبدؤكم، فإن أباكم آدم مخلوق من تراب من أديم الأرض، {وفيها نعيدكم} أي: وإليها تصيرون إذا متم وبليتم، ومنها نخرجكم تارة أخرى. {يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا} [الإسراء: 52] . وهذه الآية كقوله تعالى: {قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون} [الأعراف: 25] . وفي الحديث الذي في السنن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حضر جنازة، فلما دفن الميت أخذ قبضة من التراب فألقاها في القبر ثم قال (6) {منها خلقناكم} ثم [أخذ] (7) أخرى وقال: {وفيها نعيدكم} . ثم أخذ أخرى وقال: {ومنها نخرجكم تارة أخرى} . وقوله {ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى} ، يعني: فرعون، أنه قامت عليه الحجج والآيات والدلالات وعاين ذلك وأبصره، فكذب بها وأباها كفرا وعنادا وبغيا، كما قال تعالى: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} [النمل: 14] . يقول تعالى مخبرا عن فرعون أنه قال لموسى حين أراه الآية الكبرى، وهي إلقاء عصاه فصارت ثعبانا عظيما ونزع يده من تحت جناحه فخرجت (8) بيضاء من غير سوء فقال: هذا سحر، جئت به لتسحرنا وتستولي به على الناس، فيتبعونك …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
فيه بعد الهاء، وكذلك عملهم ذلك في كل القرآن. وزعم بعض من اختار قراءة ذلك كذلك، أنه إنما اختاره من أجل أن PageEndV16P085 المهاد: اسم الموضع، وأن المهد الفعل، قال: وهو مثل الفرش والفراش. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين: {مهدا} [طه: 53] بمعنى: الذي مهد لكم الأرض مهدا. والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار مشهورتان، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب فيها
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٨٤) ↗التحرير والتنوير
مجرى أحوالهم وأعمالهم ودعائهم حتى إذا سألهم السائل عن خالقهم لم يتريثوا أن يجيبوا بأنه الله ثم يرجعون إلى شركهم. وتاء الخطاب في سألتهم للنبيء صلى الله عليه وسلم وهو ظاهر سياق التسلية، أو يكون الخطاب لغير معين ليعم كل مخاطب يتصور منه أن يسألهم. والعزيز العليم هو الله تعالى. وليس ذكر الصفتين العليتين من مقول جوابهم وإنما حكي قولهم بالمعنى، أي ليقولن خلقهن الذي الصفتان من صفاته، وإنما هم يقولون: خلقهن الله، كما حكي عنهم في سورة لقمان [25] ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله. وذلك هو المستقرى من كلامهم نثرا وشعرا في الجاهلية. وإنما عدل عن اسم العلي إلى الصفتين زيادة في إفحامهم بأن الذي انصرفوا عن توحيده بالعبادة عزيز عليم، فهو الذي يجب أن يرجوه الناس للشدائد لعزته وأن يخلصوا له باطنهم لأنه لا يخفى عليه سرهم، بخلاف شركائهم فإنها أذلة لا تعلم، وإنهم لا ينازعون وصفه ب العزيز العليم. وتخصيص هاتين الصفتين بالذكر من بين بقية الصفات الإلهية لأنها مضادة لصفات الأصنام فإن الأصنام عاجزة عن دفع الأيدي. والتقدير: ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله، وإن سألتهم: أهو العزيز العليم. [10] 10] الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون (10) هذا كلام موجه من الله تعالى، هو تخلص من الاستدلال على تفرده بالإلهية بأنه المنفرد بخلق السماوات والأرض إلى الاستدلال بأنه المنفرد بإسداء النعم التي بها قوام أود حياة الناس. فالجملة استئناف حذف منها المبتدأ، والتقدير: هو
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/١٦٨) ↗