سورة الزخرف · الآية ٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن المشركين، أنك لو { سألتهم من خلق السموت والأرض ليقولن } الله وحده لا شريك له، العزيز الذي دانت لعزته جميع المخلوقات، العليم بظواهر الأمور وبواطنها، وأوائلها وأواخرها، فإذا كانوا مقرين بذلك، فكيف يجعلون له الولد والصاحبة والشريك؟! وكيف يشركون به من لا يخلق ولا يرزق، ولا يميت ولا يحيي؟! ثم ذكر أيضا من الأدلة الدالة على كمال نعمته واقتداره، بما خلقه لعباده من الأرض التي مهدها وجعلها قرارا للعباد، يتمكنون فيها من كل ما يريدون. { وجعل لكم فيها سبلا } أي: جعل منافذ بين سلاسل الجبال المتصلة، تنفذون منها إلى ما وراءها من الأقطار. { لعلكم تهتدون } في السير في الطرق ولا تضيعون، ولعلكم تهتدون أيضا في الاعتبار بذلك والادكار فيه. { والذي نزل من السمآء مآء بقدر } لا يزيد ولا ينقص، ويكون أيضا بمقدار الحاجة، لا ينقص بحيث لا يكون فيه نفع، ولا يزيد بحيث يضر العباد والبلاد، بل أغاث به العباد، وأنقذ به البلاد من الشدة، ولهذا قال: { فأنشرنا به بلدة ميتا } أي: أحييناها بعد موتها، { كذلك تخرجون } أي: فكما أحيا الأرض الميتة الهامدة بالماء، كذلك يحييكم بعد ما تستكملون في البرزخ، ليجازيكم بأعمالكم. { والذي خلق الأزواج كلها } أي: الأصناف جميعها، مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون، من ليل ونهار، وحر وبرد، وذكر وأنثى، وغير ذلك. { وجعل لكم من الفلك } أي: السفن البحرية، الشراعية والنارية، ما تركبون { و } من { الأنعام ما تركبون * لتستووا على ظهوره } وهذا شامل لظهور الفلك ولظهور الأنعام، أي: لتستقروا عليها، { ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه } بالاعتراف بالنعمة لمن سخرها، والثناء عليه تعالى بذلك، ولهذا قال: { وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين } أي: لولا تسخيره لنا ما سخر من الفلك، والأنعام، ما كنا مطيقين لذلك وقادرين عليه، ولكن من لطفه وكرمه تعالى، سخرها وذللها ويسر …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى منكرا على من أراد دينا سوى دين الله، الذي أنزل به كتبه وأرسل به رسله، وهو عبادته وحده لا شريك له، الذي {وله أسلم من في السماوات والأرض} أي: استسلم له من فيهما طوعا وكرها، كما قال تعالى: {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال} [الرعد:15] وقال تعالى: {أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون. ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون. يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون} [النحل: 48 -50] . فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه لله، والكافر مستسلم لله كرها، فإنه تحت التسخير والقهر والسلطان العظيم، الذي لا يخالف ولا يمانع. وقد ورد حديث في تفسير هذه الآية، على معنى آخر فيه غرابة، فقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن النضر العسكري، حدثنا سعيد بن حفص النفيلي، حدثنا محمد بن محصن العكاشي، حدثنا الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح، عن النبي صلى الله عليه وسلم: {وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها} أما من في السماوات فالملائكة، وأما من في الأرض فمن ولد على الإسلام، وأما كرها فمن أتي به من سبايا الأمم في السلاسل والأغلال، يقادون إلى الجنة وهم كارهون" (1) . وقد ورد في الصحيح: "عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل" (2) وسيأتي له شاهد من وجه آخر ولكن المعنى الأول للآية أقوى. وقد قال وكيع في تفسيره: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد: {وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها} قال: هو كقوله: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} [لقمان:25] . وقال أيضا: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: {وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها} قال: حين أخذ الميثاق.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٢/٦٩) ↗التحرير والتنوير
والبطش: الإضرار القوي. وانتصب بطشا على التمييز لنسبة الأشدية. ومثل الأولين حالهم العجيبة. ومعنى مضى: انقرض، أي ذهبوا عن بكرة أبيهم، فمضي المثل كناية عن استئصالهم لأن مضي الأحوال يكون بمضي أصحابها، فهو في معنى قوله تعالى: فقطع دابر القوم الذين ظلموا [الأنعام: 45] . وذكر الأولين إظهار في مقام الإضمار لتقدم قوله: في الأولين. ووجه إظهاره أن يكون الإخبار عنهم صريحا وجاريا مجرى المثل. [9] 9] ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم (9) لما كان قوله: وكم أرسلنا من نبيء في الأولين [الزخرف: 6] موجها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم للتسلية والوعد بالنصر، عطف عليه خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم صريحا بقوله: ولئن سألتهم الآية، لقصد التعجيب من حال الذين كذبوه فإنهم إنما كذبوه لأنه دعاهم إلى عبادة إله واحد ونبذ عبادة الأصنام، ورأوا ذلك عجبا مع أنهم يقرون لله تعالى بأنه خالق العوالم وما فيها. وهل يستحق العبادة غير خالق العابدين، ولأن الأصنام من جملة ما خلق الله في الأرض من حجارة، فلو سألهم الرسول صلى الله عليه وسلم في محاجته إياهم عن خالق الخلق لما استطاعوا غير الإقرار بأنه الله تعالى. فجملة ولئن سألتهم معطوفة على جملة وكم أرسلنا من نبيء في الأولين [الزخرف: 6] عطف الغرض، وهو انتقال إلى الاحتجاج على بطلان الإشراك بإقرارهم الضمني: أن أصنامهم خالية عن صفة استحقاق أن تعبد. وتأكيد الكلام باللام الموطئة للقسم ولام الجواب ونون التوكيد لتحقيق أنهم يجيبون بذلك تنزيلا لغير المتردد في الخبر منزلة المتردد، وهذا التنزيل كناية عن جدارة حالتهم بالتعجيب من اختلال تفكيرهم وتناقض عقائدهم وإنما فرض الكشف عن عقيدتهم في صورة سؤالهم عن خالقهم للإشارة إلى أنهم غافلون عن ذلك في
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/١٦٧) ↗