سورة الشورى · الآية ٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أنه أوحى هذا القرآن العظيم إلى النبي الكريم، كما أوحى إلى من قبله من الأنبياء والمرسلين، ففيه بيان فضله، بإنزال الكتب، وإرسال الرسل، سابقا ولاحقا، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس ببدع من الرسل، وأن طريقته طريقة من قبله، وأحواله تناسب أحوال من قبله من المرسلين. وما جاء به يشابه ما جاؤوا به، لأن الجميع حق وصدق، وهو تنزيل من اتصف بالألوهية والعزة العظيمة والحكمة البالغة، وأن جميع العالم العلوي والسفلي ملكه وتحت تدبيره القدري والشرعي. وأنه { العلي } بذاته، وقدره، وقهره. { العظيم } الذي من عظمته { تكاد السموت يتفطرن من فوقهن } على عظمها وكونها جمادا، { والملائكة } الكرام المقربون خاضعون لعظمته، مستكينون لعزته، مذعنون بربوبيته. { يسبحون بحمد ربهم } ويعظمونه عن كل نقص، ويصفونه بكل كمال، { ويستغفرون لمن في الأرض } عما يصدر منهم، مما لا يليق بعظمة ربهم وكبريائه، مع أنه تعالى هو { الغفور الرحيم } الذي لولا مغفرته ورحمته، لعاجل الخلق بالعقوبة المستأصلة. وفي وصفه تعالى بهذه الأوصاف، بعد أن ذكر أنه أوحى إلى الرسل كلهم عموما، وإلى محمد - صلى الله عليهم أجمعين - خصوصا، إشارة إلى أن هذا القرآن الكريم، فيه من الأدلة والبراهين، والآيات الدالة على كمال الباري تعالى، ووصفه بهذه الأسماء العظيمة الموجبة لامتلاء القلوب من معرفته ومحبته وتعظيمه وإجلاله وإكرامه، وصرف جميع أنواع العبودية الظاهرة والباطنة له تعالى، وأن من أكبر الظلم وأفحش القول، اتخاذ أنداد لله من دونه، ليس بيدهم نفع ولا ضرر، بل هم مخلوقون مفتقرون إلى الله في جميع أحوالهم، ولهذا عقبه بقوله: { والذين اتخذوا من دونه أوليآء } يتولونهم بالعبادة والطاعة، كما يعبدون الله ويطيعونه، فإنما اتخذوا الباطل، وليسوا بأولياء على الحقيقة. { الله حفيظ عليهم } يحفظ عليهم أعمالهم، فيجازيهم بخيرها وشرها. { ومآ أنت عليهم بوكيل } فتسأل عن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
نصرهم ورزقهم، وما ينوبهم من أمر (1) الدنيا، فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به. قال قتادة، والسدي، ومالك عن زيد بن أسلم، وابن زيد: {إلا ليقربونا إلى الله زلفى} أي: ليشفعوا لنا، ويقربونا عنده منزلة. ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: "لبيك لا شريك لك (2) ، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك". وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، بردها والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم، لم يأذن الله فيه ولا رضي به، بل أبغضه ونهى عنه: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل:36] {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء:25] . وأخبر أن الملائكة التي في السموات من المقربين وغيرهم، كلهم عبيد خاضعون لله، لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم، يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأبوه، {فلا تضربوا لله الأمثال} [النحل:74] ، تعالى الله عن ذلك. وقوله: {إن الله يحكم بينهم} أي: يوم القيامة، {في ما هم فيه يختلفون} أي: سيفصل بين الخلائق يوم معادهم، ويجزي كل عامل بعمله، {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} (3) [سبأ:41، 40] . وقوله: {إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} أي: لا يرشد إلى الهداية من قصده (4) الكذب والافتراء على الله، وقلبه كفار يجحد بآياته [وحججه] (5) وبراهينه. ثم بين تعالى أنه لا ولد له كما يزعمه جهلة المشركين في الملائكة، والمعاندون (6) من اليهود والنصارى في العزير، وعيسى فقال: {لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء} أي: لكان الأمر على خلاف …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تعالى ذكره: {تنزيل الكتاب} [السجدة: 2] الذي نزلناه عليك يا محمد {من الله العزيز} [الزمر: 1] في انتقامه من أعدائه {الحكيم} [البقرة: 32] في تدبيره خلقه، لا من غيره، فلا تكونن في شك من ذلك؛ ورفع قوله: {تنزيل} [السجدة: 2] بقوله: {من الله} [البقرة: 61] وتأويل الكلام: من الله العزيز الحكيم تنزيل الكتاب وجائز رفعه بإضمار هذا، كما قيل: {سورة أنزلناها} [النور: 1] غير أن الرفع في قوله: {تنزيل الكتاب} [السجدة: 2] بما بعده أحسن من رفع سورة بما بعدها، لأن تنزيل وإن كان فعلا، فإنه إلى المعرفة أقرب، إذ كان مضافا إلى معرفة، فحسن رفعه بما بعده، وليس ذلك بالحسن في «سورة» ، لأنه نكرة
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/١٥٤) ↗التحرير والتنوير
… أو بتأويل الأرض بسكانها من باب وسئل القرية [يوسف: 82] . وتكون من زائدة زيادتها مع الظروف لتأكيد الفوقية، فيفيد الظرف استحضار حالة التفطر وحالة موقعه، وقد شبه انشقاق السماء بانشقاق الوردة في قوله تعالى: فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان [الرحمن: 37] . والوردة تنشق من أعلاها حين ينفتح برعومها فيوشك إن هن تفطرن أن يخررن على الأرض، أي يكاد يقع ذلك لما فشا في الأرض من إشراك وفساد على معنى قوله تعالى: وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا يكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا [مريم: 88- 90] ويرجحه قوله الآتي: والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم [الشورى: 6] . وعن ابن عباس يكاد السماوات يتفطرن من قول المشركين اتخذ الله ولدا [البقرة: 116] .
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٣٠) ↗