البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الشورى · الآية ٥

﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ ۚ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى أنه أوحى هذا القرآن العظيم إلى النبي الكريم، كما أوحى إلى من قبله من الأنبياء والمرسلين، ففيه بيان فضله، بإنزال الكتب، وإرسال الرسل، سابقا ولاحقا، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس ببدع من الرسل، وأن طريقته طريقة من قبله، وأحواله تناسب أحوال من قبله من المرسلين. وما جاء به يشابه ما جاؤوا به، لأن الجميع حق وصدق، وهو تنزيل من اتصف بالألوهية والعزة العظيمة والحكمة البالغة، وأن جميع العالم العلوي والسفلي ملكه وتحت تدبيره القدري والشرعي. وأنه { العلي } بذاته، وقدره، وقهره. { العظيم } الذي من عظمته { تكاد السموت يتفطرن من فوقهن } على عظمها وكونها جمادا، { والملائكة } الكرام المقربون خاضعون لعظمته، مستكينون لعزته، مذعنون بربوبيته. { يسبحون بحمد ربهم } ويعظمونه عن كل نقص، ويصفونه بكل كمال، { ويستغفرون لمن في الأرض } عما يصدر منهم، مما لا يليق بعظمة ربهم وكبريائه، مع أنه تعالى هو { الغفور الرحيم } الذي لولا مغفرته ورحمته، لعاجل الخلق بالعقوبة المستأصلة. وفي وصفه تعالى بهذه الأوصاف، بعد أن ذكر أنه أوحى إلى الرسل كلهم عموما، وإلى محمد - صلى الله عليهم أجمعين - خصوصا، إشارة إلى أن هذا القرآن الكريم، فيه من الأدلة والبراهين، والآيات الدالة على كمال الباري تعالى، ووصفه بهذه الأسماء العظيمة الموجبة لامتلاء القلوب من معرفته ومحبته وتعظيمه وإجلاله وإكرامه، وصرف جميع أنواع العبودية الظاهرة والباطنة له تعالى، وأن من أكبر الظلم وأفحش القول، اتخاذ أنداد لله من دونه، ليس بيدهم نفع ولا ضرر، بل هم مخلوقون مفتقرون إلى الله في جميع أحوالهم، ولهذا عقبه بقوله: { والذين اتخذوا من دونه أوليآء } يتولونهم بالعبادة والطاعة، كما يعبدون الله ويطيعونه، فإنما اتخذوا الباطل، وليسوا بأولياء على الحقيقة. { الله حفيظ عليهم } يحفظ عليهم أعمالهم، فيجازيهم بخيرها وشرها. { ومآ أنت عليهم بوكيل } فتسأل عن …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

التحرير والتنوير

وجملة وهو العلي العظيم عطف عليها مقررة لما قررته الجملة قبلها فإن من اتصف بالعلاء والعظمة لو لم يكن عزيزا لتخلف علاؤه وعظمته، ولا يكون إلا حكيما لأن علاءه يقتضي سموه عن سفاسف الصفات والأفعال، ولو لم يكن عظيما لتعلقت إرادته بسفاسف الأمور ولتنازل إلى عبث الفعال. والعلو هنا علو مجازي، وهو السمو في الكمال بحيث كان أكمل من كل موجود كامل. والعظمة مجازية وهي جلالة الصفات والأفعال. وأفادت صيغة الجملة معنى القصر، أي لا علي ولا عظيم غيره لأن من عداه لا يخلو عن افتقار إليه فلا علو له ولا عظمة. وهذا قصر قلب، أي دون آلهتكم فلا علو لها كما تزعمون. قال أبو سفيان: اعل هبل. وتقدم معنى هاتين الجملتين في خلال آية الكرسي من سورة البقرة. [5] 5] تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم (5) يكاد السماوات يتفطرن من فوقهن. جملة مستأنفة مقررة لمعنى جملة وهو العلي العظيم [الشورى: 4] ولذلك لم تعطف عليها، أي يكاد السماوات على عظمتهن يتشققن من شدة تسخرهن فيما يسخرهن الله له من عمل لا يخالف ما قدره الله لهن، وأيضا قد قيل: إن المعنى: يكاد السماوات يتفطرن من كثرة ما فيهن من الملائكة والكواكب وتصاريف الأقدار، فيكون في معنى قول النبيء صلى الله عليه وسلم «أطت السماء وبحقها أن تئط. والذي نفس محمد بيده ما فيها موضع شبر إلا فيه جبهة ملك ساجد يسبح الله بحمده» (1) ويرجحه تعقيبه بقوله تعالى: والملائكة يسبحون بحمد ربهم كما سيأتي. وقرأ نافع وحده والكسائي يكاد بتحتية في أوله. وقرأه الباقون بفوقية وهما وجهان جائزان في الفعل المسند إلى جمع غير المذكر السالم وخاصة مع عدم التأنيث الحقيقي. وتقدم في سورة مريم [90] قوله: يكاد السماوات يتفطرن منه.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٢٩) ↗