سورة الشورى · الآية ٥٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما قال المكذبون لرسل الله، الكافرون بالله: لولا يكلمنا الله أو تأتينآ آية [البقرة: 118] من كبرهم وتجبرهم، رد الله عليهم بهذه الآية الكريمة، وأن تكليمه تعالى لا يكون إلا لخواص خلقه، للأنبياء والمرسلين، وصفوته من العالمين، وأنه يكون على أحد هذه الأوجه. إما { أن يكلمه الله إلا وحيا } بأن يلقي الوحي في قلب الرسول، من غير إرسال ملك، ولا مخاطبة منه شفاها. { أو } يكلمه منه شفاها، لكن { من ورآء حجاب } كما حصل لموسى بن عمران، كليم الرحمن. { أو } يكلمه الله بواسطة الرسول الملكي، ف { يرسل رسولا } كجبريل أو غيره من الملائكة. { فيوحي بإذنه } أي: بإذن ربه، لا بمجرد هواه، { إنه } تعالى علي الذات، علي الأوصاف، عظيمها، علي الأفعال، قد قهر كل شيء، ودانت له المخلوقات. حكيم في وضعه كل شيء في موضعه، من المخلوقات والشرائع. { وكذلك } حين أوحينا إلى الرسل قبلك { أوحينآ إليك روحا من أمرنا } وهو هذا القرآن الكريم، سماه روحا، لأن الروح يحيا به الجسد، والقرآن تحيا به القلوب والأرواح، وتحيا به مصالح الدنيا والدين، لما فيه من الخير الكثير والعلم الغزير. وهو محض منة الله على رسوله وعباده المؤمنين، من غير سبب منهم، ولهذا قال: { ما كنت تدري } أي: قبل نزوله عليك { ما الكتاب ولا الإيمان } أي: ليس عندك علم بأخبار الكتب السابقة، ولا إيمان وعمل بالشرائع الإلهية، بل كنت أميا لا تخط ولا تقرأ، فجاءك هذا الكتاب الذي { جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا } يستضيئون به في ظلمات الكفر والبدع، والأهواء المردية، ويعرفون به الحقائق، ويهتدون به إلى الصراط المستقيم. { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } أي: تبينه لهم وتوضحه، وتنيره وترغبهم فيه، وتنهاهم عن ضده، وترهبهم منه، ثم فسر الصراط المستقيم فقال: { صراط الله الذي له ما في السموت وما في الأرض } أي: الصراط الذي نصبه الله لعباده، وأخبرهم أنه موصل إليه وإلى دار كرامته، { ألا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
هذه مقامات (1) الوحي بالنسبة إلى جناب الله، عز وجل، وهو أنه تعالى تارة يقذف في روع النبي صلى الله عليه وسلم شيئا لا يتمارى فيه أنه من الله عز وجل، كما جاء في صحيح ابن حبان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن روح القدس نفث في روعي: إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب" (2) . وقوله: {أو من وراء حجاب} كما كلم موسى، عليه السلام، فإنه سأل الرؤية بعد التكليم، فحجب عنها. وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجابر بن عبد الله: "ما كلم الله أحدا إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحا" الحديث (3) ، وكان [أبوه] (4) قد قتل يوم أحد، ولكن هذا في عالم البرزخ، والآية إنما هي في الدار (5) الدنيا. وقوله: {أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} كما ينزل جبريل [عليه السلام] (6) وغيره من الملائكة على الأنبياء، عليهم السلام، {إنه علي حكيم} ، فهو علي عليم خبير حكيم. وقوله (7) {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} يعني: القرآن، {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} أي: على التفصيل الذي شرع لك في القرآن، {ولكن جعلناه} أي: القرآن {نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} ، كقوله: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد} [فصلت:44] . وقوله: {وإنك} [أي] (8) يا محمد {لتهدي إلى صراط مستقيم} ، وهو الخلق (9) القويم. ثم فسره بقوله: {صراط الله [الذي] } (10) أي: شرعه الذي أمر به الله، {الذي له ما في السموات وما في الأرض} أي: ربهما ومالكهما، والمتصرف فيهما، الحاكم الذي لا معقب لحكمه، {ألا إلى الله تصير الأمور} ، أي: ترجع الأمور، فيفصلها ويحكم فيها. آخر تفسير سورة " [حم] (11) الشورى" والحمد لله رب العالمين.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٢١٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
بقوله: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} [الشورى: 52] وكما كنا نوحي في سائر رسلنا، كذلك أوحينا إليك يا محمد هذا القرآن، روحا من أمرنا: يقول: وحيا ورحمة من أمرنا واختلف أهل التأويل في معنى الروح في هذا الموضع، فقال بعضهم: عنى به الرحمة
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٥٤١) ↗التحرير والتنوير
رسلهم. فحصل هذا المعنى الثاني بغاية الإيجاز مع حسن موقع الاستطراد. وإجراء وصفي العزيز الحكيم على اسم الجلالة دون غيرهما لأن لهاتين الصفتين مزيد اختصاص بالغرض المقصود من أن الله يصطفي من يشاء لرسالته. ف العزيز المتصرف بما يريد لا يصده أحد. والحكيم يحمل كلامه معاني لا يبلغ إلى مثلها غيره، وهذا من متممات الغرض الذي افتتحت به السورة وهو الإشارة إلى تحدي المعاندين بأن يأتوا بسورة مثل سور القرآن. وجملة كذلك يوحي إليك إلى آخرها ابتدائية، وتقديم المجرور من قوله كذلك على يوحي إليك للاهتمام بالمشار إليه والتشويق بتنبيه الأذهان إليه، وإذ لم يتقدم في الكلام ما يحتمل أن يكون مشارا إليه ب كذلك علم أن المشار إليه مقدر معلوم من الفعل الذي بعد اسم الإشارة وهو المصدر المأخوذ من الفعل، أي كذلك الإيحاء يوحي إليك الله. وهذا استعمال متبع في نظائر هذا التركيب كما تقدم في قوله تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطا في سورة البقرة [143] . وأحسب أنه من مبتكرات القرآن إذ لم أقف على مثله في كلام العرب قبل القرآن. وما ذكره الخفاجي في سورة البقرة من تنظيره بقول زهير: كذلك خيمهم ولكل قوم ... إذا مستهم الضراء خيم لا يصح لأن بيت زهير مسبوق بما يصلح أن يكون مشارا إليه، وقد فاتني التنبيه على ذلك فيما تقدم من الآيات فعليك بضم ما هنا إلى ما هنالك. والجار والمجرور صفة لمفعول مطلق محذوف دل عليه يوحي أي إيحاء كذلك الإيحاء العجيب. والعدول عن صيغة الماضي إلى صيغة المضارع في قوله: يوحي للدلالة على أن إيحاءه إليه متجدد لا ينقطع في مدة حياته الشريفة لييأس المشركون من إقلاعه بخلاف قوله: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا [الشورى: 52] وقوله: وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا [الشورى: 7] إذ لا غرض في إفادة معنى التجدد هناك. وأما مراعاة التجدد هنا
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٢٧) ↗