سورة الشورى · الآية ٥١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما قال المكذبون لرسل الله، الكافرون بالله: لولا يكلمنا الله أو تأتينآ آية [البقرة: 118] من كبرهم وتجبرهم، رد الله عليهم بهذه الآية الكريمة، وأن تكليمه تعالى لا يكون إلا لخواص خلقه، للأنبياء والمرسلين، وصفوته من العالمين، وأنه يكون على أحد هذه الأوجه. إما { أن يكلمه الله إلا وحيا } بأن يلقي الوحي في قلب الرسول، من غير إرسال ملك، ولا مخاطبة منه شفاها. { أو } يكلمه منه شفاها، لكن { من ورآء حجاب } كما حصل لموسى بن عمران، كليم الرحمن. { أو } يكلمه الله بواسطة الرسول الملكي، ف { يرسل رسولا } كجبريل أو غيره من الملائكة. { فيوحي بإذنه } أي: بإذن ربه، لا بمجرد هواه، { إنه } تعالى علي الذات، علي الأوصاف، عظيمها، علي الأفعال، قد قهر كل شيء، ودانت له المخلوقات. حكيم في وضعه كل شيء في موضعه، من المخلوقات والشرائع. { وكذلك } حين أوحينا إلى الرسل قبلك { أوحينآ إليك روحا من أمرنا } وهو هذا القرآن الكريم، سماه روحا، لأن الروح يحيا به الجسد، والقرآن تحيا به القلوب والأرواح، وتحيا به مصالح الدنيا والدين، لما فيه من الخير الكثير والعلم الغزير. وهو محض منة الله على رسوله وعباده المؤمنين، من غير سبب منهم، ولهذا قال: { ما كنت تدري } أي: قبل نزوله عليك { ما الكتاب ولا الإيمان } أي: ليس عندك علم بأخبار الكتب السابقة، ولا إيمان وعمل بالشرائع الإلهية، بل كنت أميا لا تخط ولا تقرأ، فجاءك هذا الكتاب الذي { جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا } يستضيئون به في ظلمات الكفر والبدع، والأهواء المردية، ويعرفون به الحقائق، ويهتدون به إلى الصراط المستقيم. { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } أي: تبينه لهم وتوضحه، وتنيره وترغبهم فيه، وتنهاهم عن ضده، وترهبهم منه، ثم فسر الصراط المستقيم فقال: { صراط الله الذي له ما في السموت وما في الأرض } أي: الصراط الذي نصبه الله لعباده، وأخبرهم أنه موصل إليه وإلى دار كرامته، { ألا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
هذه مقامات (1) الوحي بالنسبة إلى جناب الله، عز وجل، وهو أنه تعالى تارة يقذف في روع النبي صلى الله عليه وسلم شيئا لا يتمارى فيه أنه من الله عز وجل، كما جاء في صحيح ابن حبان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن روح القدس نفث في روعي: إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب" (2) . وقوله: {أو من وراء حجاب} كما كلم موسى، عليه السلام، فإنه سأل الرؤية بعد التكليم، فحجب عنها. وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجابر بن عبد الله: "ما كلم الله أحدا إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحا" الحديث (3) ، وكان [أبوه] (4) قد قتل يوم أحد، ولكن هذا في عالم البرزخ، والآية إنما هي في الدار (5) الدنيا. وقوله: {أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} كما ينزل جبريل [عليه السلام] (6) وغيره من الملائكة على الأنبياء، عليهم السلام، {إنه علي حكيم} ، فهو علي عليم خبير حكيم. وقوله (7) {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} يعني: القرآن، {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} أي: على التفصيل الذي شرع لك في القرآن، {ولكن جعلناه} أي: القرآن {نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} ، كقوله: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد} [فصلت:44] . وقوله: {وإنك} [أي] (8) يا محمد {لتهدي إلى صراط مستقيم} ، وهو الخلق (9) القويم. ثم فسره بقوله: {صراط الله [الذي] } (10) أي: شرعه الذي أمر به الله، {الذي له ما في السموات وما في الأرض} أي: ربهما ومالكهما، والمتصرف فيهما، الحاكم الذي لا معقب لحكمه، {ألا إلى الله تصير الأمور} ، أي: ترجع الأمور، فيفصلها ويحكم فيها. آخر تفسير سورة " [حم] (11) الشورى" والحمد لله رب العالمين.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٢١٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
حجاب} [الشورى: 51] يقول: أو يكلمه بحيث يسمع كلامه ولا يراه، كما كلم موسى نبيه صلى الله عليه وسلم {أو يرسل رسولا} [الشورى: 51] يقول: أو يرسل الله من ملائكته رسولا، إما جبرائيل، وإما غيره {فيوحي بإذنه ما يشاء} [الشورى: 51] يقول: فيوحي ذلك الرسول إلى المرسل إليه بإذن ربه ما يشاء، يعني: ما يشاء ربه أن يوحيه إليه من أمر ونهي، وغير ذلك من الرسالة والوحي وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٥٤٠) ↗التحرير والتنوير
وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم (51) عطف على ما سبق من حكاية ترهاتهم عطف القصة على القصة وهو عود إلى إبطال شبه المشركين التي أشار إليها قوله تعالى: كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم [الشورى: 3] ، وقوله تعالى: كبر على المشركين ما تدعوهم إليه [الشورى: 13] ، وقد أشرنا إلى تفصيل ذلك فيما تقدم، ويزيده وضوحا قوله عقبه وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا [الشورى: 52] . وهذه الآية تبطل الشبهة الثانية فيما عددناه من شبهاتهم في كون القرآن وحيا من الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم إذ زعموا أن محمدا صلى الله عليه وسلم لو كان مرسلا من الله لكانت معه ملائكة تصدق قوله أو لأنزل عليه كتاب جاهز من السماء يشاهدون نزوله قال تعالى: وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا [الفرقان: 7] وقال وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا إلى أن قال: ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه [الإسراء: 90- 93] . وإذ قد كان أهم غرض هذه السورة إثبات كون القرآن وحيا من الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم كما أوحي من قبله للرسل كان العود إلى ذلك من قبيل رد العجز على الصدر. فبين الله للمكذبين أن سنة الله في خطاب رسله لا تعدو ثلاثة أنحاء من الخطاب، منها ما جاء به القرآن فلم يكن ذلك بدعا مما جاءت به الرسل الأولون وما كان الله ليخاطب رسله على الأنحاء التي اقترحها المشركون على النبيء صلى الله عليه وسلم فجيء بصيغة حصر مفتتحة بصيغة الجحود المفيدة مبالغة النفي وهي وما كان لبشر أن يكلمه الله أي لم يتهيأ لأحد من الرسل أن يأتيه خطاب من الله بنوع من هذه الثلاثة. ودل ذلك على انتفاء أن يكون إبلاغ مراد الله تعالى لأمم الرسل بغير أحد هذه
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/١٤٠) ↗