سورة الشورى · الآية ٤٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يأمر تعالى عباده بالاستجابة له، بامتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، وبالمبادرة بذلك وعدم التسويف، من قبل أن يأتي يوم القيامة الذي إذا جاء لا يمكن رده واستدراك الفائت، وليس للعبد في ذلك اليوم ملجأ يلجأ إليه، فيفوت ربه، ويهرب منه. بل قد أحاطت الملائكة بالخليقة من خلفهم، ونودوا يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموت والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان [الرحمن: 33] وليس للعبد في ذلك اليوم نكير لما اقترفه وأجرمه، بل لو أنكر لشهدت عليه جوارحه. وهذه الآية ونحوها، فيها ذم الأمل، والأمر بانتهاز الفرصة في كل عمل يعرض للعبد، فإن للتأخير آفات. { فإن أعرضوا } عما جئتهم به بعد البيان التام { فمآ أرسلناك عليهم حفيظا } تحفظ أعمالهم وتسأل عنها، { إن عليك إلا البلاغ } فإذا أديت ما عليك، فقد وجب أجرك على الله، سواء استجابوا أم أعرضوا، وحسابهم على الله الذي يحفظ عليهم صغير أعمالهم وكبيرها، وظاهرها وباطنها. ثم ذكر تعالى حالة الإنسان، وأنه إذا أذاقه الله رحمة، من صحة بدن، ورزق رغد، وجاه ونحوه { فرح بها } أي: فرح فرحا مقصورا عليها، لا يتعداها، ويلزم من ذلك طمأنينته بها، وإعراضه عن المنعم. { وإن تصبهم سيئة } أي: مرض أو فقر، أو نحوهما { بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور } أي: طبيعته كفران النعمة السابقة، والتسخط لما أصابه من السيئة.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الشورى ٤٧–٤٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ثم قال تعالى: {وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها} أي: إذا أصابه رخاء ونعمة فرح بذلك، {وإن تصبهم} يعني الناس {سيئة} أي: جدب ونقمة وبلاء وشدة، {فإن الإنسان كفور} أي: يجحد ما تقدم من النعمة (1) ولا يعرف إلا الساعة الراهنة، فإن أصابته نعمة أشر وبطر، وإن أصابته محنة يئس وقنط، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [للنساء] (2) يا معشر النساء، تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار" فقالت امرأة: ولم يا رسول الله؟ قال: "لأنكن تكثرن الشكاية، وتكفرن العشير، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم تركت يوما قالت: ما رأيت منك خيرا قط" (3) وهذا حال أكثر الناس (4) إلا من هداه الله وألهمه رشده، وكان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فالمؤمن كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن" (5) . يخبر تعالى أنه خالق السموات والأرض ومالكهما والمتصرف فيهما، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وأنه يخلق ما يشاء، و {يهب لمن يشاء إناثا} أي: يرزقه البنات فقط -قال البغوي: ومنهم لوط، عليه السلام {ويهب لمن يشاء الذكور} أي: يرزقه البنين فقط. قال البغوي: كإبراهيم الخليل، عليه السلام -لم يولد له أنثى،. {أو يزوجهم ذكرانا وإناثا} أي: ويعطي من يشاء من الناس الزوجين الذكر والأنثى، أي: من هذا وهذا (6) . قال البغوي: كمحمد، عليه الصلاة والسلام {ويجعل من يشاء عقيما} أي: لا يولد له. قال البغوي: كيحيى وعيسى، عليهما السلام، فجعل الناس أربعة أقسام، منهم من يعطيه البنات، ومنهم من يعطيه البنين، ومنهم من يعطيه من النوعين ذكورا وإناثا، ومنهم من يمنعه هذا وهذا، فيجعله عقيما لا نسل له ولا يولد له، {إنه عليم} أي: بمن يستحق كل قسم من هذه الأقسام، {قدير} أي: على من يشاء، من تفاوت الناس …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٥٣٥) ↗التحرير والتنوير
السورة فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ [الشورى: 48] . وأيضا هي كالبيان لما في جملة يكاد السماوات يتفطرن [الشورى: 5] لأن من أسباب مقاربة تفطرهن كثرة ما فيهن من الملائكة. ولولا أنها أريد منها زيادة تقرير معنى جملة وهو العلي العظيم [الشورى: 4] لكانت جديرة بأن تفصل ولكن رجح العطف لأجل الاهتمام بتقرير العلو والعظمة لله تعالى. وأما التبيين فيحصل بمجرد تعقيب جملة يكاد السماوات يتفطرن بها كما علمته آنفا. فقوله: الملائكة [الشورى: 5] مبتدأ وجملة يسبحون [الشورى: 5] خبر والمقصود الإعلام بجلال الله. وتسبيح الملائكة بحمد الله: خضوع لعظمته وعلوه، والتسبيح: التنزيه عن النقائص. فتسبيح الملائكة قد يكون عبارة عن إدراكهم عظمة الله تعالى فهو: انفعال روحاني كقوله تعالى: اذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة [الأعراف: 205] ، وقد يكون دلالة على التنزيه بما يناسب الملائكة من ظواهر الانفعال بالطاعة أو من كلام مناسب للحالة الملكية وكذلك حمدهم ربهم واستغفارهم لمن في الأرض. ومفعول يسبحون محذوف دل عليه مصاحبته بحمد ربهم [الشورى: 5] تقديره: يسبحون ربهم، والباء للمصاحبة، أي يسبحون تسبيحا مصاحبا لحمدهم ربهم، أي الثناء عليه بصفاته الكمالية، ومن الثناء ما هو شكر على نعمه عليهم وعلى غيرهم، فالمعنى: يسبحون الله ويحمدونه. وهذا تعريض بالمشركين إذ أعرضوا عن تسبيح ربهم وحمده وشغلوا بتحميد الأصنام التي لا نعمة لها عليهم ولا تنفعهم ولا تضرهم. وتقديم التسبيح على الحمد إشارة إلى أن تنزيه الله عما لا يليق به أهم من إثبات صفات الكمال له لأن التنزيه تمهيد لإدراك كمالاته تعالى. ولذلك كانت
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٣٣) ↗