سورة الشورى · الآية ٣٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة، وذكر الأعمال الموصلة إليها فقال: { فمآ أوتيتم من شيء } من ملك ورياسة، وأموال وبنين، وصحة وعافية بدنية. { فمتاع الحياة الدنيا } لذة منغصة منقطعة. { وما عند الله } من الثواب الجزيل، والأجر الجليل، والنعيم المقيم { خير } من لذات الدنيا، خيرية لا نسبة بينهما { وأبقى } لأنه نعيم لا منغص فيه ولا كدر، ولا انتقال. ثم ذكر لمن هذا الثواب فقال: { للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } أي: جمعوا بين الإيمان الصحيح، المستلزم لأعمال الإيمان الظاهرة والباطنة، وبين التوكل، الذي هو الآلة لكل عمل، فكل عمل لا يصحبه التوكل فغير تام، وهو الاعتماد بالقلب على الله في جلب ما يحبه العبد، ودفع ما يكرهه مع الثقة به تعالى. { والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش } والفرق بين الكبائر والفواحش - مع أن جميعهما كبائر - أن الفواحش هي الذنوب الكبار التي في النفوس داع إليها، كالزنا ونحوه، والكبائر ما ليس كذلك، هذا عند الاقتران، وأما مع إفراد كل منهما عن الآخر فإن الآخر يدخل فيه. { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } أي: قد تخلقوا بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، فصار الحلم لهم سجية، وحسن الخلق لهم طبيعة حتى إذا أغضبهم أحد بمقاله أو فعاله، كظموا ذلك الغضب فلم ينفذوه، بل غفروه، ولم يقابلوا المسيء إلا بالإحسان والعفو والصفح. فترتب على هذا العفو والصفح، من المصالح ودفع المفاسد في أنفسهم وغيرهم شيء كثير، كما قال تعالى: ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاهآ إلا ذو حظ عظيم [فصلت: 34-35]. { والذين استجابوا لربهم } أي: انقادوا لطاعته، ولبوا دعوته، وصار قصدهم رضوانه، وغايتهم الفوز بقربه. ومن الاستجابة لله، إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فلذلك عطفهما على ذلك، من باب عطف العام على الخاص، الدال على شرفه وفضله فقال: { وأقاموا الصلاة } أي: ظاهرها …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقوله: {والذين استجابوا لربهم} أي: اتبعوا رسله وأطاعوا أمره، واجتنبوا زجره، {وأقاموا الصلاة} وهي أعظم العبادات لله عز وجل، {وأمرهم شورى بينهم} أي: لا يبرمون أمرا حتى يتشاوروا (1) فيه، ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها، كما قال تعالى: {وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله} [آل عمران: 159] ولهذا كان عليه [الصلاة] (2) السلام، يشاورهم في الحروب ونحوها، ليطيب بذلك قلوبهم. وهكذا لما حضرت عمر بن الخطاب [رضي الله عنه] (3) الوفاة حين طعن، جعل الأمر بعده شورى في ستة نفر، وهم: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنهم أجمعين، فاجتمع رأي الصحابة كلهم على تقديم عثمان عليهم، رضي الله عنهم، {ومما رزقناهم ينفقون} وذلك بالإحسان إلى خلق الله، الأقرب إليهم منهم فالأقرب. وقوله: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} أي: فيهم قوة الانتصار ممن ظلمهم واعتدى عليهم، ليسوا بعاجزين ولا أذلة، بل يقدرون على الانتقام ممن بغى عليهم، وإن كانوا مع هذا إذا قدروا وعفوا، كما قال يوسف، عليه السلام، لإخوته: {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم [وهو أرحم الراحمين] (4) } [يوسف:92] ، مع قدرته على مؤاخذتهم ومقابلتهم على صنيعهم إليه، وكما عفا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولئك النفر الثمانين الذين قصدوه عام الحديبية، ونزلوا من جبل التنعيم، فلما قدر عليهم من عليهم (5) مع قدرته على الانتقام، وكذلك عفوه عن غورث بن الحارث، الذي أراد الفتك به [عليه السلام] (6) حين اخترط سيفه وهو نائم، فاستيقظ، عليه السلام، وهو في يده صلتا، فانتهره فوضعه من يده، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف من يده، ودعا أصحابه، ثم أعلمهم بما كان من أمره وأمر هذا الرجل، وعفا عنه. وكذلك عفا عن لبيد بن الأعصم (7) ، الذي سحره، عليه السلام، ومع هذا لم يعرض له، ولا عاتبه، مع قدرته عليه. وكذلك عفوه، عليه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٥١٧) ↗التحرير والتنوير
36] فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (36) تفريع على جملة ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا [الشورى: 27] إلى آخرها، فإنها اقتضت وجود منعم عليه ومحروم، فذكروا بأن ما أوتوه من رزق هو عرض زائل، وأن الخير في الثواب الذي ادخره الله للمؤمنين، مع المناسبة لما سبقه من قوله: ويعف عن كثير [الشورى: 34] من سلامة الناس من كثير من أهوال الأسفار البحرية فإن تلك السلامة نعمة من نعم الدنيا، ففرعت عليه الذكرى بأن تلك النعمة الدنيوية نعمة قصيرة الزمان صائرة إلى الزوال فلا يجعلها الموفق غاية سعيه وليسع لعمل الآخرة الذي يأتي بالنعيم العظيم الدائم وهو النعيم الذي ادخره الله عنده لعباده المؤمنين الصالحين. والخطاب في قوله: أوتيتم للمشركين جريا على نسق الخطاب السابق في قوله: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم [الشورى: 30] وقوله: وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير [الشورى: 31] ، وينسحب الحكم على المؤمنين بلحن الخطاب، ويجوز أن يكون الخطاب لجميع الأمة، فالفاء الأولى للتفريع، وما موصولة ضمنت معنى الشرط والفاء الثانية في قوله: فمتاع الحياة الدنيا داخلة على خبر ما الموصولة لتضمنها معنى الشرط وإنما لم نجعل ما شرطية لأن المعنى على الإخبار لا على التعليق، وإنما تضمن معنى الشرط وهو مجرد ملازمة الخبر لمدلول اسم الموصول كما تقدم نظيره آنفا في قوله: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم [الشورى: 30] في قراءة غير نافع وابن عامر. ويتعلق قوله: خير وأبقى للذين آمنوا على وجه التنازع، وأتبعت صلة (الذين آمنوا) بما يدل على عملهم بإيمانهم في اعتقادهم فعطف على الصلة أنهم يتوكلون على ربهم دون غيره. وهذا التوكل إفراد لله بالتوجه إليه في كل ما تعجز عنه قدرة العبد، فإن التوجه إلى غيره في ذلك ينافي التوحيد لأن المشركين يتوكلون على آلهتهم أكثر …
أكمل القراءة في الكتاب ↗