البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الشورى · الآية ٣٧

﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

هذا تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة، وذكر الأعمال الموصلة إليها فقال: { فمآ أوتيتم من شيء } من ملك ورياسة، وأموال وبنين، وصحة وعافية بدنية. { فمتاع الحياة الدنيا } لذة منغصة منقطعة. { وما عند الله } من الثواب الجزيل، والأجر الجليل، والنعيم المقيم { خير } من لذات الدنيا، خيرية لا نسبة بينهما { وأبقى } لأنه نعيم لا منغص فيه ولا كدر، ولا انتقال. ثم ذكر لمن هذا الثواب فقال: { للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } أي: جمعوا بين الإيمان الصحيح، المستلزم لأعمال الإيمان الظاهرة والباطنة، وبين التوكل، الذي هو الآلة لكل عمل، فكل عمل لا يصحبه التوكل فغير تام، وهو الاعتماد بالقلب على الله في جلب ما يحبه العبد، ودفع ما يكرهه مع الثقة به تعالى. { والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش } والفرق بين الكبائر والفواحش - مع أن جميعهما كبائر - أن الفواحش هي الذنوب الكبار التي في النفوس داع إليها، كالزنا ونحوه، والكبائر ما ليس كذلك، هذا عند الاقتران، وأما مع إفراد كل منهما عن الآخر فإن الآخر يدخل فيه. { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } أي: قد تخلقوا بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، فصار الحلم لهم سجية، وحسن الخلق لهم طبيعة حتى إذا أغضبهم أحد بمقاله أو فعاله، كظموا ذلك الغضب فلم ينفذوه، بل غفروه، ولم يقابلوا المسيء إلا بالإحسان والعفو والصفح. فترتب على هذا العفو والصفح، من المصالح ودفع المفاسد في أنفسهم وغيرهم شيء كثير، كما قال تعالى: ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاهآ إلا ذو حظ عظيم [فصلت: 34-35]. { والذين استجابوا لربهم } أي: انقادوا لطاعته، ولبوا دعوته، وصار قصدهم رضوانه، وغايتهم الفوز بقربه. ومن الاستجابة لله، إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فلذلك عطفهما على ذلك، من باب عطف العام على الخاص، الدال على شرفه وفضله فقال: { وأقاموا الصلاة } أي: ظاهرها …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وقوله: {والذين استجابوا لربهم} أي: اتبعوا رسله وأطاعوا أمره، واجتنبوا زجره، {وأقاموا الصلاة} وهي أعظم العبادات لله عز وجل، {وأمرهم شورى بينهم} أي: لا يبرمون أمرا حتى يتشاوروا (1) فيه، ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها، كما قال تعالى: {وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله} [آل عمران: 159] ولهذا كان عليه [الصلاة] (2) السلام، يشاورهم في الحروب ونحوها، ليطيب بذلك قلوبهم. وهكذا لما حضرت عمر بن الخطاب [رضي الله عنه] (3) الوفاة حين طعن، جعل الأمر بعده شورى في ستة نفر، وهم: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنهم أجمعين، فاجتمع رأي الصحابة كلهم على تقديم عثمان عليهم، رضي الله عنهم، {ومما رزقناهم ينفقون} وذلك بالإحسان إلى خلق الله، الأقرب إليهم منهم فالأقرب. وقوله: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} أي: فيهم قوة الانتصار ممن ظلمهم واعتدى عليهم، ليسوا بعاجزين ولا أذلة، بل يقدرون على الانتقام ممن بغى عليهم، وإن كانوا مع هذا إذا قدروا وعفوا، كما قال يوسف، عليه السلام، لإخوته: {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم [وهو أرحم الراحمين] (4) } [يوسف:92] ، مع قدرته على مؤاخذتهم ومقابلتهم على صنيعهم إليه، وكما عفا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولئك النفر الثمانين الذين قصدوه عام الحديبية، ونزلوا من جبل التنعيم، فلما قدر عليهم من عليهم (5) مع قدرته على الانتقام، وكذلك عفوه عن غورث بن الحارث، الذي أراد الفتك به [عليه السلام] (6) حين اخترط سيفه وهو نائم، فاستيقظ، عليه السلام، وهو في يده صلتا، فانتهره فوضعه من يده، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف من يده، ودعا أصحابه، ثم أعلمهم بما كان من أمره وأمر هذا الرجل، وعفا عنه. وكذلك عفا عن لبيد بن الأعصم (7) ، الذي سحره، عليه السلام، ومع هذا لم يعرض له، ولا عاتبه، مع قدرته عليه. وكذلك عفوه، عليه …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

قد بينا اختلاف أهل التأويل فيها وبينا الصواب من القول عندنا فيها في سورة النساء، فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا {والفواحش} [الشورى: 37] قيل: إنها الزنى

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٥٢١) ↗

التحرير والتنوير

37] والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون (37) أتبع الموصول السابق بموصولات معطوف بعضها على بعض كما تعطف الصفات للموصوف الواحد، فكذلك عطف هذه الصلات وموصولاتها أصحابها متحدون وهم الذين آمنوا بالله وحده وقد تقدم نظيره عند قوله تعالى: الذين يؤمنون بالغيب [البقرة: 3] ثم قوله: والذين يؤمنون بما أنزل إليك الآية في سورة البقرة [4] . والمقصود من ذلك: هو الاهتمام بالصلات فيكرر الاسم الموصول لتكون صلته معتنى بها حتى كأن صاحبها المتحد منزل منزلة ذوات. فالمقصود: ما عند الله خير وأبقى للمؤمنين الذين هذه صفاتهم، أي أتبعوا إيمانهم بها. وهذه صفات للمؤمنين باختلاف الأحوال العارضة لهم فهي صفات متداخلة قد تجتمع في المؤمن الواحد إذا وجدت أسبابها وقد لا تجتمع إذا لم توجد بعض أسبابها مثل وأمرهم شورى بينهم [38] . وقرأ الجمهور كبائر بصيغة الجمع. وقرأه حمزة والكسائي وخلف كبير بالإفراد، فكبائر الإثم: الفعلات الكبيرة من جنس الإثم وهي الآثام العظيمة التي نهى الشرع عنها نهيا جازما، وتوعد فاعلها بعقاب الآخرة مثل القذف والاعتداء والبغي. وعلى قراءة كبيرة الإثم مراد به معنى كبائر الإثم لأن المفرد لما أضيف إلى معرف بلام الجنس من إضافة الصفة إلى الموصوف كان له حكم ما أضيف هو إليه. والفواحش: جمع فاحشة، وهي: الفعلة الموصوفة بالشناعة والتي شدد الدين في النهي عنها وتوعد عليها بالعذاب أو وضع لها عقوبات في الدنيا للذي يظهر عليه من فاعليها. وهذه مثل قتل النفس، والزنا، والسرقة، والحرابة. وتقدم عند قوله: وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا في سورة الأعراف [28] . وكبائر الإثم والفواحش قد تدعو إليها القوة الشاهية. ولما كان كثير من كبائر الإثم والفواحش متسببا على القوة الغضبية مثل القتل والجراح والشتم والضرب

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/١١٠) ↗