سورة الشورى · الآية ٣٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: ومن أدلة رحمته وعنايته بعباده { الجوار في البحر } من السفن، والمراكب النارية والشراعية، التي من عظمها { كالأعلام } وهي الجبال الكبار، التي سخر لها البحر العجاج، وحفظها من التطام الأمواج، وجعلها تحملكم وتحمل أمتعتكم الكثيرة، إلى البلدان والأقطار البعيدة، وسخر لها من الأسباب ما كان معونة على ذلك. ثم نبه على هذه الأسباب بقوله: { إن يشأ يسكن الريح } التي جعلها الله سببا لمشيها، { فيظللن } أي: الجوار { رواكد } على ظهر البحر، لا تتقدم ولا تتأخر، ولا ينتقض هذا بالمراكب النارية، فإن من شرط مشيها وجود الريح. وإن شاء الله تعالى أوبق الجوار بما كسب أهلها، أي: أغرقها في البحر وأتلفها، ولكنه يحلم ويعفو عن كثير. { إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } أي: كثير الصبر على ما تكرهه نفسه ويشق عليها، فيكرهها عليه، من مشقة طاعة، أو ردع داع إلى معصية، أو ردع نفسه عند المصائب عن التسخط، { شكور } في الرخاء وعند النعم، يعترف بنعمة ربه ويخضع له، ويصرفها في مرضاته، فهذا الذي ينتفع بآيات الله. وأما الذي لا صبر عنده، ولا شكر له على نعم الله، فإنه معرض أو معاند لا ينتفع بالآيات. ثم قال تعالى: { ويعلم الذين يجادلون في آياتنا } ليبطلوها بباطلهم. { ما لهم من محيص } أي: لا ينقذهم منقذ مما حل بهم من العقوبة.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الشورى ٣٢–٣٥) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وهذا القول هو يتضمن هلاكها، وهو مناسب للأول (1) ، وهو أنه تعالى لو شاء لسكن الريح فوقفت، أو لقواه فشردت وأبقت وهلكت. ولكن من لطفه (2) ورحمته أنه يرسله بحسب الحاجة، كما يرسل المطر بقدر الكفاية، ولو أنزله كثيرا جدا لهدم البنيان، أو قليلا لما أنبت الزرع (3) والثمار، حتى إنه يرسل إلى مثل بلاد مصر سيحا من أرض أخرى غيرها (4) ؛ لأنهم لا يحتاجون إلى مطر، ولو أنزل عليهم لهدم بنيانهم، وأسقط جدرانهم. وقوله: {ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص} أي: لا محيد لهم عن بأسنا ونقمتنا، فإنهم مقهورون بقدرتنا. يقول تعالى محقرا بشأن الحياة الدنيا وزينتها، وما فيها من الزهرة والنعيم الفاني، بقوله: {فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا} أي: مهما حصلتم وجمعتم فلا تغتروا به، فإنما هو متاع الحياة الدنيا، وهي دار دنيئة فانية زائلة لا محالة، {وما عند الله خير وأبقى} أي: وثواب الله خير من الدنيا، وهو باق سرمدي، فلا تقدموا الفاني على الباقي؛ ولهذا قال: {للذين آمنوا} أي: للذين صبروا على ترك الملاذ في الدنيا، {وعلى ربهم يتوكلون} أي: ليعينهم على الصبر في أداء الواجبات وترك المحرمات. ثم قال: {والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش} وقد قدمنا الكلام على الإثم والفواحش في "سورة الأعراف" {وإذا ما غضبوا هم يغفرون} أي: سجيتهم [وخلقهم وطبعهم] (5) تقتضي الصفح والعفو عن الناس، ليس سجيتهم الانتقام من الناس. وقد ثبت في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما انتقم لنفسه قط، إلا أن تنتهك حرمات الله (6) وفي حديث آخر: "كان يقول لأحدنا (7) عند المعتبة: ما له؟ تربت جبينه" (8) . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن زائدة، عن منصور (9) ، عن إبراهيم قال: كان المؤمنون يكرهون أن يستذلوا، وكانوا إذا قدروا عفوا.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٢١٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٥١٧) ↗التحرير والتنوير
هنا الغرق، فيجوز أن يكون ضمير جماعة الإناث عائدا إلى الجوار على أن يستعار الإيباق للإغراق لأن الإغراق إتلاف. ويجوز أن يكون الضمير عائدا إلى الراكبين على تأويل معاد الضمير بالجماعات بقرينة قوله: بما كسبوا فهو كقوله: وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم [الحج: 27] . والباء للسببية وهو في معنى قوله: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم [الشورى: 30] . ويعف عن كثير عطف على يوبقهن فهو في معنى جزاء للشرط المقدر، أي وإن يشأ يعف عن كثير فلا يوبقهم مع استحقاقهم أن يوبقوا. وهذا العطف اعتراض. [35] 35] ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص (35) قرأ نافع وابن عامر ويعقوب برفع ويعلم على أنه كلام مستأنف. وقرأه الباقون بالنصب. فأما الاستئناف على قراءة نافع وابن عامر ويعقوب فمعناه أنه كلام آنف لا ارتباط له بما قبله، وذلك تهديد للمشركين بأنهم لا محيص لهم من عذاب الله لأنه لما قال: ومن آياته الجوار في البحر [الشورى: 32] صار المعنى: ومن آيات انفراده بالإلهية الجواري في البحر. والمشركون يجادلون في دلائل الوحدانية بالإعراض والانصراف عن سماعها فهددهم الله بأن أعلمهم أنهم لا محيص لهم، أي من عذابه، فحذف متعلق المحيص إبهاما له تهويلا للتهديد لتذهب النفس كل مذهب ممكن فيكون قوله: ويعلم الذين يجادلون خبرا مرادا به الإنشاء والطلب فهو في قوة: وليعلم الذين يجادلون، أو اعلموا يا من يجادلون، وليس خبرا عنهم لأنهم لا يؤمنون بذلك حتى يعلموه. وأما قراءة النصب فهي عند سيبويه وجمهور النحاة على العطف على فعل
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/١٠٧) ↗