سورة الشورى · الآية ١٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { وما اختلفتم فيه من شيء } من أصول دينكم وفروعه، مما لم تتفقوا عليه { فحكمه إلى الله } يرد إلى كتابه، وإلى سنة رسوله، فما حكما به فهو الحق، وما خالف ذلك فباطل. { ذلكم الله ربي } أي: فكما أنه تعالى الرب الخالق الرازق المدبر، فهو تعالى الحاكم بين عباده بشرعه في جميع أمورهم. ومفهوم الآية الكريمة، أن اتفاق الأمة حجة قاطعة، لأن الله تعالى لم يأمرنا أن نرد إليه إلا ما اختلفنا فيه، فما اتفقنا عليه، يكفي اتفاق الأمة عليه، لأنها معصومة عن الخطأ، ولا بد أن يكون اتفاقها موافقا لما في كتاب الله وسنة رسوله. وقوله: { عليه توكلت } أي: اعتمدت بقلبي عليه في جلب المنافع ودفع المضار، واثقا به تعالى في الإسعاف بذلك. { وإليه أنيب } أي: أتوجه بقلبي وبدني إليه، وإلى طاعته وعبادته. وهذان الأصلان، كثيرا ما يذكرهما الله في كتابه، لأنهما يحصل بمجموعهما كمال العبد، ويفوته الكمال بفوتهما أو فوت أحدهما، كقوله تعالى: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] وقوله: فاعبده وتوكل عليه [هود: 123]. { فاطر السموت والأرض } أي: خالقهما بقدرته ومشيئته وحكمته. { جعل لكم من أنفسكم أزواجا } لتسكنوا إليها، وتنتشر منكم الذرية، ويحصل لكم من النفع ما يحصل. { ومن الأنعام أزواجا } أي: ومن جميع أصنافها نوعين، ذكرا وأنثى، لتبقى وتنمو لمنافعكم الكثيرة، ولهذا عداها باللام الدالة على التعليل، أي: جعل ذلك لأجلكم، ولأجل النعمة عليكم، ولهذا قال: { يذرؤكم فيه } أي: يبثكم ويكثركم ويكثر مواشيكم، بسبب أن جعل لكم من أنفسكم، وجعل لكم من الأنعام أزواجا. { ليس كمثله شيء } أي: ليس يشبهه تعالى ولا يماثله شيء من مخلوقاته، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، لأن أسماءه كلها حسنى، وصفاته صفة كمال وعظمة، وأفعاله تعالى أوجد بها المخلوقات العظيمة من غير مشارك، فليس كمثله شيء، لانفراده وتوحده بالكمال من كل وجه. { وهو …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقوله: {فاطر السموات والأرض} أي: خالقهما وما بينهما، {جعل لكم من أنفسكم أزواجا} أي: من جنسكم وشكلكم، منة عليكم وتفضلا جعل من جنسكم ذكرا وأنثى، {ومن الأنعام أزواجا} أي: وخلق لكم من الأنعام ثمانية أزواج. وقوله: {يذرؤكم فيه} أي: يخلقكم فيه، أي: في ذلك الخلق على هذه الصفة لا يزال يذرؤكم (1) فيه ذكورا وإناثا، خلقا من بعد خلق، وجيلا بعد جيل، ونسلا بعد نسل، من الناس والأنعام. وقال البغوي رحمه الله: {يذرؤكم فيه} أي: في الرحم. وقيل: في البطن. وقيل: في هذا الوجه من الخلقة. قال مجاهد: ونسلا بعد نسل من الناس والأنعام. وقيل: "في" بمعنى "الباء"، أي: يذرؤكم به. {ليس كمثله شيء} أي: ليس كخالق الأزواج كلها شيء؛ لأنه الفرد الصمد الذي لا نظير له، {وهو السميع البصير} وقوله: {له مقاليد السموات والأرض} تقدم تفسيره في "سورة الزمر"، وحاصل ذلك أنه المتصرف الحاكم فيهما، {يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} أي: يوسع على من يشاء، ويضيق على من يشاء، وله الحكمة والعدل التام، {إنه بكل شيء عليم} يقول تعالى لهذه الأمة: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك} ، فذكر أول الرسل بعد آدم وهو نوح، عليه السلام وآخرهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر من بين ذلك من أولي العزم وهم: إبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم، عليهم السلام. وهذه الآية انتظمت ذكر الخمسة كما اشتملت آية "الأحزاب" عليهم في قوله: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم} الآية [الأحزاب:7] . والدين الذي جاءت به الرسل كلهم هو: عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء:25] . وفي
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/١٩٤) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
{فالله هو الولي} [الشورى: 9] يقول: فالله هو ولي أوليائه، وإياه فليتخذوا وليا لا الآلهة والأوثان، ولا ما لا يملك لهم ضرا ولا نفعا {وهو يحيي الموتى} [الشورى: 9] يقول: والله يحيي الموتى من بعد مماتهم، فيحشرهم يوم القيامة {وهو على كل شيء قدير} [المائدة: 120] يقول: والله القادر على إحياء خلقه من بعد مماتهم وعلى غير ذلك، إنه ذو قدرة على كل شيء
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٤٧٣) ↗التحرير والتنوير
أفمن يخلق كمن لا يخلق [النحل: 17] وقال: لا يخلقون شيئا وهم يخلقون [النحل: 20] وقال وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه [الحج: 73] . والغرض من هذا تعريض بإبلاغه إلى مسامع المشركين. ولما كان المقصود إثبات القدرة لله تعالى عطفت الجملة على التي قبلها لأنها مثلها في إفادة الحكم، وكانت إفادة التعليل بها حاصلة من موقعها عقبها، ولو أريد التعليل ابتداء لفصلت الجملة ولم تعطف. [10] 10] وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب (10) وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله. يجوز أن يكون هذا تكملة للاعتراض فيكون كلاما موجها من الله تعالى إلى الناس. ويجوز أن يكون ابتداء كلام متصلا بقوله: ذلكم الله ربي عليه توكلت، فحكمه إلى الله تعين أن يكون مجموع هذا الكلام لمتكلم واحد، لأن ضمائر ربي، وتوكلت، وأنيب ضمائره، وتلك الضمائر لا تصلح أن تعود إلى الله تعالى. ولا حظ في سياق الوحي إلى أحد سوى النبيء صلى الله عليه وسلم فتعين تقدير فعل أمر بقول يقوله النبيء صلى الله عليه وسلم. والجملة معطوفة على الجمل التي قبلها لأن الكلام موجه إلى النبيء صلى الله عليه وسلم وإلى المسلمين. والواو عاطفة فعل أمر بالقول، وحذف القول شائع في القرآن بدلالة القرائن لأن مادة الاختلاف مشعرة بأنه بين فريقين وحالة الفريقين مشعرة بأنه اختلاف في أمور الاعتقاد التي أنكرها الكافرون من التوحيد والبعث والنفع والإضرار. ومن شيء بيان لإبهام ما، أي أي شيء اختلفتم فيه، والمراد: من أشياء الدين وشؤون الله تعالى. وضمير فحكمه عائد إلى ما اختلفتم على معنى: الحكم بينكم في شأنه إلى الله. والمعنى: أنه يتضح لهم يوم القيامة المحق من المبطل فيما اختلفوا فيه حين يرون الثواب للمؤمنين والعقاب للمشركين، فيعلم المشركون أنهم مبطلون فيما كانوا يزعمون.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٤١) ↗