سورة الشورى · الآية ١٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { وما اختلفتم فيه من شيء } من أصول دينكم وفروعه، مما لم تتفقوا عليه { فحكمه إلى الله } يرد إلى كتابه، وإلى سنة رسوله، فما حكما به فهو الحق، وما خالف ذلك فباطل. { ذلكم الله ربي } أي: فكما أنه تعالى الرب الخالق الرازق المدبر، فهو تعالى الحاكم بين عباده بشرعه في جميع أمورهم. ومفهوم الآية الكريمة، أن اتفاق الأمة حجة قاطعة، لأن الله تعالى لم يأمرنا أن نرد إليه إلا ما اختلفنا فيه، فما اتفقنا عليه، يكفي اتفاق الأمة عليه، لأنها معصومة عن الخطأ، ولا بد أن يكون اتفاقها موافقا لما في كتاب الله وسنة رسوله. وقوله: { عليه توكلت } أي: اعتمدت بقلبي عليه في جلب المنافع ودفع المضار، واثقا به تعالى في الإسعاف بذلك. { وإليه أنيب } أي: أتوجه بقلبي وبدني إليه، وإلى طاعته وعبادته. وهذان الأصلان، كثيرا ما يذكرهما الله في كتابه، لأنهما يحصل بمجموعهما كمال العبد، ويفوته الكمال بفوتهما أو فوت أحدهما، كقوله تعالى: إياك نعبد وإياك نستعين [الفاتحة: 5] وقوله: فاعبده وتوكل عليه [هود: 123]. { فاطر السموت والأرض } أي: خالقهما بقدرته ومشيئته وحكمته. { جعل لكم من أنفسكم أزواجا } لتسكنوا إليها، وتنتشر منكم الذرية، ويحصل لكم من النفع ما يحصل. { ومن الأنعام أزواجا } أي: ومن جميع أصنافها نوعين، ذكرا وأنثى، لتبقى وتنمو لمنافعكم الكثيرة، ولهذا عداها باللام الدالة على التعليل، أي: جعل ذلك لأجلكم، ولأجل النعمة عليكم، ولهذا قال: { يذرؤكم فيه } أي: يبثكم ويكثركم ويكثر مواشيكم، بسبب أن جعل لكم من أنفسكم، وجعل لكم من الأنعام أزواجا. { ليس كمثله شيء } أي: ليس يشبهه تعالى ولا يماثله شيء من مخلوقاته، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، لأن أسماءه كلها حسنى، وصفاته صفة كمال وعظمة، وأفعاله تعالى أوجد بها المخلوقات العظيمة من غير مشارك، فليس كمثله شيء، لانفراده وتوحده بالكمال من كل وجه. { وهو …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
التشبيه، إلا أن تأويل سلفنا كان تأويلا جمليا، وتأويل خلفهم كان تأويلا تفصيليا كتأويلهم اليد بالقدرة، والعين بالعلم، وبسط اليدين بالجود، والوجه بالذات، والنزول بتمثيل حال الإجابة والقبول بحال نزول المرتفع من مكانه الممتنع إلى حيث يكون سائلوه لينيلهم ما سألوه. ولهذا قالوا: طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم. ولما أفاد قوله: ليس كمثله شيء صفات السلوب أعقب بإثبات صفة العلم لله تعالى وهي من الصفات المعنوية وذلك بوصفه ب السميع البصير الدالين على تعلق علمه بالموجودات من المسموعات والمبصرات تنبيها على أن نفي مماثلة الأشياء لله تعالى لا يتوهم منه أن الله منزه عن الاتصاف بما اتصفت به المخلوقات من أوصاف الكمال المعنوية كالحياة والعلم ولكن صفات المخلوقات لا تشبه صفاته تعالى في كمالها لأنها في المخلوقات عارضة، وهي واجبة لله تعالى في منتهى الكمال، فكونه تعالى سميعا وبصيرا من جملة الصفات الداخلة تحت ظلال التأويل بالحمل على عموم قوله تعالى: ليس كمثله شيء فلم يقتضيا جارحتين. ولقد كان تعقيب قوله ذلك بهما شبيها بتعقيب المسألة بمثالها. [12] 12] له مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم (12) خبر رابع أو خامس عن الضمير في قوله: وهو على كل شيء قدير [الشورى: 9] وموقع هذه الجملة كموقع التي قبلها تتنزل منزلة النتيجة لما تقدمها، لأنه إذا ثبت أن الله هو الولي وما تضمنته الجمل بعدها إلى قوله: يذرؤكم فيه [الشورى: 11] من انفراده بالخلق، ثبت أنه المنفرد بالرزق. والمقاليد: جمع إقليد على غير قياس، أو جمع مقلاد، وهو المفتاح، وتقدم عند قوله تعالى: له مقاليد السماوات والأرض في سورة الزمر
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/٤٨) ↗