سورة فصلت · الآية ٥٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا إخبار عن طبيعة الإنسان من حيث هو، وعدم صبره وجلده، لا على الخير ولا على الشر، إلا من نقله الله من هذه الحال إلى حال الكمال، فقال: { لا يسأم الإنسان من دعآء الخير } أي: لا يمل دائما من دعاء الله، في الغنى والمال والولد، وغير ذلك من مطالب الدنيا، ولا يزال يعمل على ذلك، ولا يقتنع بقليل ولا كثير منها، فلو حصل له من الدنيا ما حصل، لم يزل طالبا للزيادة. { وإن مسه الشر } أي: المكروه، كالمرض والفقر وأنواع البلايا { فيئوس قنوط } أي: ييأس من رحمة الله تعالى، ويظن أن هذا البلاء هو القاضي عليه بالهلاك، ويتشوش من إتيان الأسباب على غير ما يحب ويطلب. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإنهم إذا أصابهم الخير والنعمة والمحاب، شكروا الله تعالى، وخافوا أن تكون نعم الله عليهم استدراجا وإمهالا، وإن أصابتهم مصيبة في أنفسهم وأموالهم وأولادهم صبروا، ورجوا فضل ربهم، فلم ييأسوا. ثم قال تعالى: { ولئن أذقناه } أي: الإنسان الذي يسأم من دعاء الخير، وإن مسه الشر فيئوس قنوط { رحمة منا } أي: بعد ذلك الشر الذي أصابه، بأن عافاه الله من مرضه، أو أغناه من فقره، فإنه لا يشكر الله تعالى، بل يبغى ويطغى، ويقول: { هذا لي } أي: أتاني لأني له أهل وأنا مستحق له { لي ومآ أظن الساعة قآئمة } وهذا إنكار منه للبعث، وكفر للنعمة والرحمة، التي أذاقها الله له. { ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى } أي: على تقدير إتيان الساعة، وأني سأرجع إلى ربي، إن لي عنده للحسنى، فكما حصلت لي النعمة في الدنيا، فإنها ستحصل [لي] في الآخرة وهذا من أعظم الجراءة والقول على الله بلا علم، فلهذا توعده بقوله: { فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ } أي: شديد جدا. { وإذآ أنعمنا على الإنسان } بصحة أو رزق، أو غيرهما، { أعرض } عن ربه وعن شكره { ونأى } ترفع { بجانبه } عجبا وتكبرا. { مسه الشر } أي: المرض، أو الفقر، أو غيرهما { فذو دعآء …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى: لا يمل الإنسان من دعائه ربه بالخير -وهو: المال، وصحة الجسم، وغير ذلك-وإن مسه الشر -وهو البلاء أو الفقر- {فيئوس قنوط} أي: يقع في ذهنه أنه لا يتهيأ له بعد هذا خير. {ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي} أي: إذا أصابه خير ورزق بعد ما كان في شدة ليقولن: هذا لي، إني كنت أستحقه عند ربي، {وما أظن الساعة قائمة} أي: يكفر بقيام الساعة، أي: لأجل أنه خول نعمة يفخر، ويبطر، ويكفر، كما قال تعالى: {كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى} [العلق: 6، 7] . {ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى} أي: ولئن كان ثم معاد فليحسنن إلي ربي، كما أحسن إلي في هذه الدار، يتمنى على الله، عز وجل، مع إساءته العمل وعدم اليقين. قال تعالى: {فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ} يتهدد تعالى من كان هذا عمله واعتقاده بالعقاب والنكال. ثم قال: {وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه} أي: أعرض عن الطاعة، واستكبر عن الانقياد لأوامر الله، عز وجل، كقوله تعالى: {فتولى بركنه} [الذاريات: 39] . {وإذا مسه الشر} أي: الشدة، {فذو دعاء عريض} أي: يطيل المسألة في الشيء الواحد فالكلام العريض: ما طال لفظه وقل معناه، والوجيز: عكسه، وهو: ما قل ودل. وقد قال تعالى: {وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما (1) فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه} [يونس: 12] . يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين بالقرآن: {أرأيتم إن كان} هذا القرآن {من عند الله ثم كفرتم به} أي: كيف ترون حالكم عند الذي أنزله على رسوله؟ ولهذا قال: {من أضل ممن هو في شقاق بعيد} ؟
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/١٨٦) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
في نفسه وضر وشدة في معيشته وجهد، رحمة منا، فوهبنا له العافية في نفسه بعد السقم، ورزقناه مالا، فوسعنا عليه في معيشته من بعد الجهد والضر {ليقولن هذا لي} [فصلت: 50] عند الله، لأن الله راض عني برضاه عملي، وما أنا عليه مقيم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٤٥٨) ↗التحرير والتنوير
لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤس قنوط (49) ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ (50) لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤس قنوط (49) ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى. اعتراض بين أجزاء الوعيد. والمعنى: وعلموا ما لهم من محيص. وقد كانوا إذا أصابتهم نعماء كذبوا بقيام الساعة فجملة لا يسأم الإنسان من دعاء الخير إلى قوله: قنوط تمهيد لجملة ولئن أذقناه رحمة منا إلخ ... وموقع هذه الآيات عقب قوله ويوم يناديهم أين شركائي قالوا آذناك [فصلت: 47] إلخ يقتضي مناسبة في النظم داعية إلى هذا الاعتراض فتلك قاضية بأن الإنسان المخبر عنه بأنه لا يسأم من دعاء الخير وما عطف عليه هو من صنف الناس الذين جرى ذكر قصصهم قبل هذه الآية وهم المشركون، فإما أن يكون المراد فريقا من نوع الإنسان، فيكون تعريف الإنسان تعريف الجنس العام لكن عمومه عرفي بالقرينة وهو الممثل له في علم المعاني بقولك: جمع الأمير الصاغة. وإما أن يكون المراد إنسانا معينا من هذا الصنف فيكون التعريف تعريف العهد. كما أن الإخبار عن الإنسان بأنه يقول: ما أظن الساعة قائمة، صريح أن المخبر عنه من المشركين معينا كان أو عاما عموما عرفيا. فقيل المراد بالإنسان: المشركون كلهم، وقيل أريد به مشرك معين، قيل هو الوليد بن المغيرة، وقيل عتبة بن ربيعة. وأيا ما كان فالإخبار عن إنسان كافر. ومحمل الكلام البليغ يرشد إلى أن إناطة هذه الأخبار بصنف من المشركين أو بمشرك معين بعنوان إنسان يومىء بأن للجبلة الإنسانية أثرا قويا في الخلق الذي منه هذه العقيدة إلا من عصمه الله بوازع الإيمان. فأصل هذا الخلق أمر مرتكز في نفس الإنسان، وهو التوجه إلى طلب …
أكمل القراءة في الكتاب ↗