سورة فصلت · الآية ٥١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا إخبار عن طبيعة الإنسان من حيث هو، وعدم صبره وجلده، لا على الخير ولا على الشر، إلا من نقله الله من هذه الحال إلى حال الكمال، فقال: { لا يسأم الإنسان من دعآء الخير } أي: لا يمل دائما من دعاء الله، في الغنى والمال والولد، وغير ذلك من مطالب الدنيا، ولا يزال يعمل على ذلك، ولا يقتنع بقليل ولا كثير منها، فلو حصل له من الدنيا ما حصل، لم يزل طالبا للزيادة. { وإن مسه الشر } أي: المكروه، كالمرض والفقر وأنواع البلايا { فيئوس قنوط } أي: ييأس من رحمة الله تعالى، ويظن أن هذا البلاء هو القاضي عليه بالهلاك، ويتشوش من إتيان الأسباب على غير ما يحب ويطلب. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإنهم إذا أصابهم الخير والنعمة والمحاب، شكروا الله تعالى، وخافوا أن تكون نعم الله عليهم استدراجا وإمهالا، وإن أصابتهم مصيبة في أنفسهم وأموالهم وأولادهم صبروا، ورجوا فضل ربهم، فلم ييأسوا. ثم قال تعالى: { ولئن أذقناه } أي: الإنسان الذي يسأم من دعاء الخير، وإن مسه الشر فيئوس قنوط { رحمة منا } أي: بعد ذلك الشر الذي أصابه، بأن عافاه الله من مرضه، أو أغناه من فقره، فإنه لا يشكر الله تعالى، بل يبغى ويطغى، ويقول: { هذا لي } أي: أتاني لأني له أهل وأنا مستحق له { لي ومآ أظن الساعة قآئمة } وهذا إنكار منه للبعث، وكفر للنعمة والرحمة، التي أذاقها الله له. { ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى } أي: على تقدير إتيان الساعة، وأني سأرجع إلى ربي، إن لي عنده للحسنى، فكما حصلت لي النعمة في الدنيا، فإنها ستحصل [لي] في الآخرة وهذا من أعظم الجراءة والقول على الله بلا علم، فلهذا توعده بقوله: { فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ } أي: شديد جدا. { وإذآ أنعمنا على الإنسان } بصحة أو رزق، أو غيرهما، { أعرض } عن ربه وعن شكره { ونأى } ترفع { بجانبه } عجبا وتكبرا. { مسه الشر } أي: المرض، أو الفقر، أو غيرهما { فذو دعآء …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى: لا يمل الإنسان من دعائه ربه بالخير -وهو: المال، وصحة الجسم، وغير ذلك-وإن مسه الشر -وهو البلاء أو الفقر- {فيئوس قنوط} أي: يقع في ذهنه أنه لا يتهيأ له بعد هذا خير. {ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي} أي: إذا أصابه خير ورزق بعد ما كان في شدة ليقولن: هذا لي، إني كنت أستحقه عند ربي، {وما أظن الساعة قائمة} أي: يكفر بقيام الساعة، أي: لأجل أنه خول نعمة يفخر، ويبطر، ويكفر، كما قال تعالى: {كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى} [العلق: 6، 7] . {ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى} أي: ولئن كان ثم معاد فليحسنن إلي ربي، كما أحسن إلي في هذه الدار، يتمنى على الله، عز وجل، مع إساءته العمل وعدم اليقين. قال تعالى: {فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ} يتهدد تعالى من كان هذا عمله واعتقاده بالعقاب والنكال. ثم قال: {وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه} أي: أعرض عن الطاعة، واستكبر عن الانقياد لأوامر الله، عز وجل، كقوله تعالى: {فتولى بركنه} [الذاريات: 39] . {وإذا مسه الشر} أي: الشدة، {فذو دعاء عريض} أي: يطيل المسألة في الشيء الواحد فالكلام العريض: ما طال لفظه وقل معناه، والوجيز: عكسه، وهو: ما قل ودل. وقد قال تعالى: {وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما (1) فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه} [يونس: 12] . يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين بالقرآن: {أرأيتم إن كان} هذا القرآن {من عند الله ثم كفرتم به} أي: كيف ترون حالكم عند الذي أنزله على رسوله؟ ولهذا قال: {من أضل ممن هو في شقاق بعيد} ؟
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/١٨٦) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن مجاهد، في قوله: {ونأى بجانبه} [الإسراء: 83] قال: تباعد منا حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج عن مجاهد، مثله والقراءة على تصيير الهمزة في نأى قبل الألف، وهي اللغة الفصيحة، وبها نقرأ. وكان بعض أهل المدينة يقرأ ذلك (وناء) فيصير الهمزة بعد الألف، وذلك وإن كان لغة جائزة قد جاءت عن العرب بتقديمهم في نظائر ذلك الهمز في موضع هو فيه مؤخر، وتأخيرهموه في موضع هو مقدم، كما قال الشاعر: [البحر الخفيف] أعلام يقلل راء رؤيا %~% فهو يهذي بما رأى في المنام PageEndV15P065 وكما قال آبار وهي أبآر، فقدموا الهمزة، فليس ذلك هو اللغة الجودى، بل الأخرى هي الفصيحة
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٦٤) ↗التحرير والتنوير
51] وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض (51) هذا وصف وتذكير بضرب آخر من طغيان النفس الإنسانية غير خاص بأهل الشرك بل هو منبث في جميع الناس على تفاوت إلا من عصم الله. وهو توصيف لنزق النفس الإنساني وقلة ثباته فإذا أصابته السراء طغا وتكبر ونسي شكر ربه نسيانا قليلا أو كثيرا وشغل بلذاته، وإذا أصابته الضراء لم يصبر وجزع ولجأ إلى ربه يلح بسؤال كشف الضراء عنه سريعا. وفي ذكر هذا الضرب تعرض لفعل الله وتقديره الخلتين السراء والضراء. وهو نقد لسلوك الإنسان في الحالتين وتعجيب من شأنه. ومحل النقد والتعجيب من إعراضه ونأيه بجانبه واضح، وأما محل الانتقاد والتعجيب من أنه ذو دعاء عريض عند ما يمسه الشر فهو من حيث لم يتذكر الإقبال على دعاء ربه إلا عند ما يمسه الشر وكان الشأن أن لا يغفل عن ذلك في حال النعمة فيدعو بدوامها ويشكر ربه عليها وقبول شكره لأن تلك الحالة أولى بالعناية من حالة مس الضر. وأما ما تقدم من قوله: لا يسأم الإنسان من دعاء الخير إلى قوله: للحسنى [فصلت: 49، 50] فهو وصف لضرب آخر أشد، وهو خاص بأهل الشرك لما وقع فيه من قوله: وما أظن الساعة قائمة [الكهف: 36] ، فليس قوله: وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه إلخ تكريرا مع قوله: لا يسأم الإنسان [فصلت: 49] الآية. فهذا التفنن في وصف أحوال الإنسان مع ربه هو الذي دعا إلى ما اشتمل عليه قوله: وإذا أنعمنا من بعض التكرير لما ذكر في الضرب المتقدم لزيادة تقريره، وللإشارة إلى اختلاف الحالتين باعتبار الشرك وعدمه مع اتحادهما في مثار الجبلة الإنسانية، وباعتبار ما قدره الله للإنسان. والإعراض: الانصراف عن شيء، وهو مستعار هنا للغفلة عن شكر المنعم أو التعمد لترك الشكر.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٥/١٤) ↗