سورة فصلت · الآية ٢٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: وقضينا لهؤلاء الظالمين الجاحدين للحق { قرنآء } من الشياطين، كما قال تعالى: ألم تر أنآ أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا [مريم: 83] أي: تزعجهم إلى المعاصي وتحثهم عليها، بسبب ما زينوا { لهم ما بين أيديهم وما خلفهم } فالدنيا زخرفوها بأعينهم، ودعوهم إلى لذاتها وشهواتها المحرمة حتى افتتنوا، فأقدموا على معاصي الله، وسلكوا ما شاؤوا من محاربة الله ورسله، والآخرة بعدوها عليهم وأنسوهم ذكرها، وربما أوقعوا عليهم الشبه بعدم وقوعها، فترحل خوفها من قلوبهم، فقادوهم إلى الكفر والبدع والمعاصي. وهذا التسليط والتقييض من الله للمكذبين الشياطين، بسبب إعراضهم عن ذكر الله وآياته، وجحودهم الحق كما قال تعالى: ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين * وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون [الزخرف: 36-37]. { وحق عليهم القول } أي: وجب عليهم، ونزل القضاء والقدر بعذابهم { في } جملة { أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين } لأديانهم وآخرتهم، ومن خسر، فلا بد أن يذل ويشقى ويعذب.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: فصلت ٢٥) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يذكر تعالى أنه هو الذي أضل المشركين، وأن ذلك بمشيئته وكونه وقدرته، وهو الحكيم في أفعاله، بما قيض لهم من القرناء من شياطين الإنس والجن: {فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم} أي: حسنوا لهم أعمالهم في الماضي، وبالنسبة إلى المستقبل فلم يروا أنفسهم إلا محسنين، كما قال تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون} [الزخرف: 36، 37] . وقوله تعالى: {وحق عليهم القول} أي: كلمة العذاب كما حق على أمم قد خلت من قبلهم، ممن فعل كفعلهم، من الجن والإنس، {إنهم كانوا خاسرين} أي: استووا هم وإياهم في الخسار والدمار. وقوله تعالى: {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه} أي: تواصوا فيما بينهم ألا يطيعوا للقرآن، ولا ينقادوا لأوامره (1) ، {والغوا فيه} أي: إذا تلي لا تسمعوا له. كما قال مجاهد: {والغوا فيه} يعني: بالمكاء (2) والصفير والتخليط في المنطق على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن قريش تفعله. وقال الضحاك، عن ابن عباس: {والغوا فيه} عيبوه (3) . وقال قتادة: اجحدوا به، وأنكروه وعادوه. {لعلكم تغلبون} هذا حال هؤلاء الجهلة من الكفار، ومن سلك مسلكهم عند سماع القرآن. وقد أمر الله -سبحانه-عباده المؤمنين بخلاف ذلك فقال: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} [الأعراف: 204] . ثم قال تعالى: منتصرا للقرآن، ومنتقما ممن عاداه من أهل الكفران: {فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا} أي: في مقابلة ما اعتمدوه في القرآن وعند سماعه، {ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون} أي: بشر أعمالهم وسيئ أفعالهم {ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين} قال سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن مالك بن الحصين الفزاري، عن أبيه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يزينون لهم قبائح أعمالهم، فزينوا لهم ذلك وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٤١٥) ↗التحرير والتنوير
وفي المثل «ما مسيء من أعتب» أي من رجع عما أساء به فكأنه لم يسىء. وقلما استعملوا المصدر الأصلي بمعنى الرجوع استغناء عنه باسم المصدر وهو العتبى. والعاتب هو اللائم، والسين والتاء فيه للطلب لأن المرء لا يسأل أحدا أن يعاتبه وإنما يسأله ترك المعاتبة، أي يسأله الصفح عنه فإذا قبل منه ذلك قيل: أعتبه أيضا، وهذا من غريب تصاريف هذه المادة في اللغة ولهذا كادوا أن يميتوا مصدر: أعتب بمعنى رجع وأبقوه في معنى قبل العتبى، وهو المراد في قوله تعالى: فما هم من المعتبين أي أن الله لا يعتبهم، أي لا يقبل منهم. [25] 25] وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين (25) عطف على جملة ويوم نحشر أعداء الله [فصلت: 19] ، وذلك أنه حكي قولهم المقتضي إعراضهم عن التدبر في دعوة الإيمان ثم ذكر كفر هم بخالق الأكوان بقوله قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين [فصلت: 9] ثم ذكر مصيرهم في الآخرة بقوله ويوم نحشر أعداء الله ثم عقب ذلك بذكر سبب ضلالهم الذي نشأت عنه أحوالهم بقوله: وقيضنا لهم قرناء. وتخلل بين ما هنالك وما هنا أفانين من المواعظ والدلائل والمنن والتعاليم والقوارع والإيقاظ. وقيض: أتاح وهيأ شيئا للعمل في شيء. والقرناء جمع: قرين، وهو الصاحب الملازم، والقرناء هنا: هم الملازمون لهم في الضلالة: إما في الظاهر مثل دعاة الكفر وأيمته، وإما في باطن النفوس مثل شياطين الوسواس الذين قال الله فيهم: ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ويأتي في سورة الزخرف [36] . ومعنى تقييضهم لهم: تقديرهم لهم، أي خلق المناسبات التي يتسبب عليها
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/٢٧٤) ↗