سورة غافر · الآية ٢٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { وأنذرهم يوم الأزفة } أي: يوم القيامة التي قد أزفت وقربت، وآن الوصول إلى أهوالها وقلاقلها وزلازلها، { إذ القلوب لدى الحناجر } أي: قد ارتفعت وبقيت أفئدتهم هواء، ووصلت القلوب من الروع والكرب إلى الحناجر، شاخصة أبصارهم. { كاظمين } لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا، وكاظمين على ما في قلوبهم من الروع الشديد والمزعجات الهائلة. { ما للظالمين من حميم } أي: قريب ولا صاحب، { ولا شفيع يطاع } لأن الشفعاء لا يشفعون في الظالم نفسه بالشرك، ولو قدرت شفاعتهم، فالله تعالى لا يرضى شفاعتهم، فلا يقبلها. { يعلم خآئنة الأعين } وهو النظر الذي يخفيه العبد من جليسه ومقارنه، وهو نظر المسارقة، { وما تخفي الصدور } مما لم يبينه العبد لغيره، فالله تعالى يعلم ذلك الخفي، فغيره من الأمور الظاهرة من باب أولى وأحرى. { والله يقضي بالحق } لأن قوله حق، وحكمه الشرعي حق، وحكمه الجزائي حق وهو المحيط علما وكتابة وحفظا بجميع الأشياء، وهو المنزه عن الظلم والنقص وسائر العيوب، وهو الذي يقضي قضاءه القدري، الذي إذا شاء شيئا كان، وما لم يشأ لم يكن، وهو الذي يقضي بين عباده المؤمنين والكافرين في الدنيا، ويفصل بينهم بفتح ينصر به أولياءه وأحبابه. { والذين يدعون من دونه } وهذا شامل لكل ما عبد من دون الله { لا يقضون بشيء } لعجزهم وعدم إرادتهم للخير واستطاعتهم لفعله. { إن الله هو السميع } لجميع الأصوات، باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات. { البصير } بما كان وما يكون، وما نبصر وما لا نبصر، وما يعلم العباد وما لا يعلمون. قال في أول هاتين الآيتين { وأنذرهم يوم الأزفة } ثم وصفها بهذه الأوصاف المقتضية للاستعداد لذلك اليوم العظيم، لاشتمالها على الترغيب والترهيب.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: غافر ١٨–٢٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يوم الآزفة هو: اسم من أسماء يوم القيامة، سميت بذلك لاقترابها، كما قال تعالى: {أزفت الآزفة. ليس لها من دون الله كاشفة} [النجم:57، 58] وقال {اقتربت الساعة وانشق القمر} [القمر: 1] ، وقال {اقترب للناس حسابهم} [الأنبياء:1] وقال {أتى أمر الله فلا تستعجلوه} [النحل:1] وقال {فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون} [الملك:27] . وقوله: {إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين} [أي ساكتين] (1) ، قال قتادة: وقفت القلوب في الحناجر من الخوف، فلا تخرج ولا تعود إلى أماكنها. وكذا قال عكرمة، والسدي، وغير واحد. ومعنى {كاظمين} أي: ساكتين، لا يتكلم أحد إلا بإذنه {يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا} [النبأ:38] . وقال ابن جريج (2) : {كاظمين} أي: باكين. وقوله: {ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع} أي: ليس للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله من قريب منهم ينفعهم، ولا شفيع يشفع فيهم، بل قد تقطعت بهم الأسباب من كل خير. وقوله: {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} يخبر تعالى عن علمه التام المحيط بجميع الأشياء، جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، دقيقها ولطيفها؛ ليحذر الناس علمه فيهم، فيستحيوا من الله حق الحياء، ويتقوه حق تقواه، ويراقبوه مراقبة من يعلم أنه يراه، فإنه تعالى يعلم العين الخائنة وإن أبدت أمانة، ويعلم ما تنطوي عليه خبايا الصدور من الضمائر والسرائر. قال ابن عباس في قوله: {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} وهو الرجل يدخل على أهل البيت بيتهم، وفيهم المرأة الحسناء، أو تمر به وبهم المرأة الحسناء، فإذا غفلوا لحظ إليها، فإذا فطنوا غض، فإذا غفلوا لحظ، فإذا فطنوا غض [بصره عنها] (3) وقد اطلع الله من قلبه أنه ود أن لو اطلع على فرجها. رواه ابن أبي حاتم. وقال الضحاك: {خائنة الأعين} هو الغمز، وقول الرجل: رأيت، ولم ير؛ أو: لم أر، وقد رأى. وقال ابن عباس: يعلم [الله] …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
محمد مشركي قومك يوم الآزفة، يعني يوم القيامة، أن يوافوا الله فيه بأعمالهم الخبيثة، فيستحقوا من الله عقابه الأليم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٣٠٠) ↗التحرير والتنوير
والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع البصير (20) كان مقتضى الظاهر أن يؤتى بجملة يقضي بالحق معطوفة بالواو على جملة يعلم خائنة الأعين [غافر: 19] فيقال: ويقضي بالحق ولكن عدل عن ذلك لما في الاسم العلم لله تعالى من الإشعار بما يقتضيه المسمى به من صفات الكمال التي منها العدل في القضاء، ونظيره في الإظهار في مقام الإضمار قوله تعالى: أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه [الرعد: 41] . وليحصل من تقديم المسند إليه على المسند الفعلي تقوي المعنى، ومنه قوله تعالى: إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون [الأنفال: 36] أعيد الموصول ولم يؤت بضمير الذين كفروا ليفيد تقديم الاسم على الفعل تقوي الحكم. والجملة من تمام الغرض الذي سيقت إليه جملة يعلم خائنة الأعين [غافر: 19] كما تقدم، وكلتاهما ناظرة إلى قوله: ما للظالمين من حميم ولا شفيع [غافر: 18] أي أن ذلك من القضاء بالحق. وأما جملة والذين تدعون من دونه لا يقضون بشيء فناظرة إلى جملة ما للظالمين من حميم ولا شفيع [غافر: 18] فبعد أن نفي عن أصنامهم الشفاعة، نفي عنها القضاء بشيء ما بالحق أو بالباطل وذلك إظهار لعجزها. ولا تحسبن جملة والذين تدعون من دونه لا يقضون بشيء مسوقة ضميمة إلى جملة: والله يقضي بالحق ليفيد مجموع الجملتين قصر القضاء بالحق على الله تعالى قصر قلب، أي دون الأصنام، كما أفيد القصر من ضم الجملتين في قول السموأل أو عبد الملك الحارثي: تسيل على حد الظبات نفوسنا ... وليست على غير الظبات تسيل لأن المنفي عن آلهتهم أعم من المثبت لله تعالى، وليس مثل ذلك مما يضاد صيغة القصر لكفى في إفادته تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي بحمله على إرادة
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/١١٧) ↗