سورة غافر · الآية ١٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { وأنذرهم يوم الأزفة } أي: يوم القيامة التي قد أزفت وقربت، وآن الوصول إلى أهوالها وقلاقلها وزلازلها، { إذ القلوب لدى الحناجر } أي: قد ارتفعت وبقيت أفئدتهم هواء، ووصلت القلوب من الروع والكرب إلى الحناجر، شاخصة أبصارهم. { كاظمين } لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا، وكاظمين على ما في قلوبهم من الروع الشديد والمزعجات الهائلة. { ما للظالمين من حميم } أي: قريب ولا صاحب، { ولا شفيع يطاع } لأن الشفعاء لا يشفعون في الظالم نفسه بالشرك، ولو قدرت شفاعتهم، فالله تعالى لا يرضى شفاعتهم، فلا يقبلها. { يعلم خآئنة الأعين } وهو النظر الذي يخفيه العبد من جليسه ومقارنه، وهو نظر المسارقة، { وما تخفي الصدور } مما لم يبينه العبد لغيره، فالله تعالى يعلم ذلك الخفي، فغيره من الأمور الظاهرة من باب أولى وأحرى. { والله يقضي بالحق } لأن قوله حق، وحكمه الشرعي حق، وحكمه الجزائي حق وهو المحيط علما وكتابة وحفظا بجميع الأشياء، وهو المنزه عن الظلم والنقص وسائر العيوب، وهو الذي يقضي قضاءه القدري، الذي إذا شاء شيئا كان، وما لم يشأ لم يكن، وهو الذي يقضي بين عباده المؤمنين والكافرين في الدنيا، ويفصل بينهم بفتح ينصر به أولياءه وأحبابه. { والذين يدعون من دونه } وهذا شامل لكل ما عبد من دون الله { لا يقضون بشيء } لعجزهم وعدم إرادتهم للخير واستطاعتهم لفعله. { إن الله هو السميع } لجميع الأصوات، باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات. { البصير } بما كان وما يكون، وما نبصر وما لا نبصر، وما يعلم العباد وما لا يعلمون. قال في أول هاتين الآيتين { وأنذرهم يوم الأزفة } ثم وصفها بهذه الأوصاف المقتضية للاستعداد لذلك اليوم العظيم، لاشتمالها على الترغيب والترهيب.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: غافر ١٨–٢٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… تدعون} [الملك:27] . وقوله: {إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين} [أي ساكتين] (1) ، قال قتادة: وقفت القلوب في الحناجر من الخوف، فلا تخرج ولا تعود إلى أماكنها. وكذا قال عكرمة، والسدي، وغير واحد. ومعنى {كاظمين} أي: ساكتين، لا يتكلم أحد إلا بإذنه {يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا} [النبأ:38] . وقال ابن جريج (2) : {كاظمين} أي: باكين. وقوله: {ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع} أي: ليس للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله من قريب منهم ينفعهم، ولا شفيع يشفع فيهم، بل قد تقطعت بهم الأسباب من كل خير. وقوله: {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} يخبر تعالى عن علمه التام المحيط بجميع الأشياء، جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، دقيقها ولطيفها؛ ليحذر الناس علمه فيهم، فيستحيوا من الله حق الحياء، ويتقوه حق تقواه، ويراقبوه مراقبة من يعلم أنه يراه، فإنه تعالى يعلم العين الخائنة وإن أبدت أمانة، ويعلم ما تنطوي عليه خبايا الصدور من الضمائر والسرائر. قال ابن عباس في قوله: {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} وهو الرجل يدخل على أهل البيت بيتهم، وفيهم المرأة الحسناء، أو تمر به وبهم المرأة الحسناء، فإذا غفلوا لحظ إليها، فإذا فطنوا غض، فإذا غفلوا لحظ، فإذا فطنوا غض [بصره عنها] (3) وقد اطلع الله من قلبه أنه ود أن لو اطلع على فرجها. رواه ابن أبي حاتم. وقال الضحاك: {خائنة الأعين} هو الغمز، وقول الرجل: رأيت، ولم ير؛ أو: لم أر، وقد رأى. وقال ابن عباس: يعلم [الله] (4) تعالى من العين في نظرها، هل تريد الخيانة أم لا؟ وكذا قال مجاهد، وقتادة. وقال ابن عباس في قوله: {وما تخفي الصدور} يعلم إذا أنت قدرت عليها هل تزني بها أم لا؟. وقال السدي: {وما تخفي الصدور} أي: من الوسوسة.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/١٣٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
محمد مشركي قومك يوم الآزفة، يعني يوم القيامة، أن يوافوا الله فيه بأعمالهم الخبيثة، فيستحقوا من الله عقابه الأليم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٣٠٠) ↗التحرير والتنوير
ووصف: شفيع بجملة يطاع وصف كاشف إذ ليس أن المراد لهم شفعاء لا تطاع شفاعتهم لظهور قلة جدوى ذلك ولكن لما كان شأن من يتعرض للشفاعة أن يثق بطاعة المشفوع عنده له. وأتبع شفيع بوصف يطاع لتلازمهما عرفا فهو من إيراد نفي الصفة اللازمة للموصوف. والمقصود: نفي الموصوف بضرب من الكناية التلميحية كقول ابن أحمر: ولا ترى الضب بها ينجحر (1) أي لا ضب فيها فينجحر، وذلك يفيد مفاد التأكيد. والمعنى: أن الشفيع إذا لم يطع فليس بشفيع. والله لا يجترىء أحد على الشفاعة عنده إلا إذا أذن له فلا يشفع عنده إلا من يطاع. [19] 19] يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور (19) يجوز أن تكون جملة يعلم خائنة الأعين خبرا عن مبتدأ محذوف هو ضمير عائد إلى اسم الجلالة من قوله: إن الله سريع الحساب [غافر: 17] على نحو ما قرر قبله في قوله: رفيع الدرجات [غافر: 15] . ومجموع الظاهر والمقدر استئناف للمبالغة في الإنذار لأنهم إذا ذكروا بأن الله يعلم الخفايا كان إنذارا بالغا يقتضي الحذر من كل اعتقاد أو عمل نهاهم الرسول صلى الله عليه وسلم عنه، فبعد أن أيأسهم من شفيع يسعى لهم في عدم المؤاخذة بذنوبهم أيأسهم من أن يتوهموا أنهم يستطيعون إخفاء شيء من نواياهم أو أدنى حركات أعمالهم على ربهم. ويجوز أن تكون خبرا ثانيا عن اسم إن في قوله: إن الله سريع الحساب [غافر: 17] ، وما بينهما اعتراض كما مر على كلا التقديرين.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/١١٥) ↗