سورة النساء · الآية ٦٠
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يعجب تعالى عباده من حالة المنافقين. { الذين يزعمون أنهم } مؤمنون بما جاء به الرسول وبما قبله، ومع هذا { يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت } وهو كل من حكم بغير شرع الله فهو طاغوت. والحال أنهم { وقد أمروا أن يكفروا به } فكيف يجتمع هذا والإيمان؟ فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع الله وتحكيمه في كل أمر من الأمور، فمن زعم أنه مؤمن واختار حكم الطاغوت على حكم الله، فهو كاذب في ذلك. وهذا من إضلال الشيطان إياهم، ولهذا قال: { ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا } عن الحق. { فكيف } يكون حال هؤلاء الضالين { إذآ أصبتهم مصيبة بما قدمت أيديهم } من المعاصي، ومنها تحكيم الطاغوت؟! { ثم جآءوك } معتذرين لما صدر منهم، ويقولون: { إن أردنآ إلا إحسنا وتوفيقا } أي: ما قصدنا في ذلك إلا الإحسان إلى المتخاصمين والتوفيق بينهم، وهم كذبة في ذلك. فإن الإحسان كل الإحسان تحكيم الله ورسوله ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون [المائدة: 50]. ولهذا قال: { أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم } أي: من النفاق والقصد السيئ. { فأعرض عنهم } أي: لا تبال بهم ولا تقابلهم على ما فعلوه واقترفوه. { وعظهم } أي: بين لهم حكم الله تعالى مع الترغيب في الانقياد لله، والترهيب من تركه، { وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا } أي: انصحهم سرا بينك وبينهم، فإنه أنجح لحصول المقصود، وبالغ في زجرهم وقمعهم عما كانوا عليه، وفي هذا دليل على أن مقترف المعاصي وإن أعرض عنه فإنه ينصح سرا، ويبالغ في وعظه بما يظن حصول المقصود به.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النساء ٦٠–٦٣) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… إلى غيرك، وتحاكمنا إلى عداك إلا الإحسان والتوفيق، أي: المداراة والمصانعة، لا اعتقادا منا صحة تلك الحكومة، كما أخبرنا تعالى عنهم في قوله: {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى [أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده] (1) فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين} [المائدة:52] . وقد قال الطبراني: حدثنا أبو زيد أحمد بن يزيد الحوطي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا صفوان بن عمر، عن عكرمة، عن ابن عباس. قال: كان أبو برزة الأسلمي كاهنا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه فتنافر إليه ناس من المسلمين فأنزل الله عز وجل: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك [يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت] (2) } إلى قوله: {إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا} ثم قال تعالى: {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم} [أي] (3) هذا الضرب من الناس هم المنافقون، والله يعلم ما في قلوبهم وسيجزيهم على ذلك، فإنه لا تخفى عليه خافية، فاكتف به يا محمد فيهم، فإن الله عالم بظواهرهم وبواطنهم؛ ولهذا قال له: {فأعرض عنهم} أي: لا تعنفهم على ما في قلوبهم {وعظهم} أي: وانههم (4) على ما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر {وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} أي: وانصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع (5) لهم. يقول تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع} أي: فرضت طاعته على من أرسله (6) إليهم وقوله: {بإذن الله} قال مجاهد: أي لا يطيع أحد إلا بإذني. يعني: لا يطيعهم إلا من وفقته لذلك، كقوله: {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه} [آل عمران:52] أي: عن أمره وقدره ومشيئته، وتسليطه إياكم عليهم. وقوله: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيستغفروا الله عنده، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
صدقوا بما أنزل إليك من الكتاب، وإلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل من قلبك من الكتب {يريدون أن يتحاكموا} [النساء: 60] في
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٧/١٨٨) ↗التحرير والتنوير
والرد هنا مجاز في التحاكم إلى الحاكم وفي تحكيم ذي الرأي عند اختلاف الآراء. وحقيقته إرجاع الشيء إلى صاحبه مثل العارية والمغصوب، ثم أطلق على التخلي عن الانتصاف بتفويض الحكم إلى الحاكم، وعن عدم تصويب الرأي بتفويض تصويبه إلى الغير، إطلاقا على طريق الاستعارة، وغلب هذا الإطلاق في الكلام حتى ساوى الحقيقة. وعموم لفظ شيء في سياق الشرط يقتضي عموم الأمر بالرد إلى الله والرسول وعموم أحوال التنازع، تبعا لعموم الأشياء المتنازع فيها، فمن ذلك الخصومات والدعاوى في الحقوق، وهو المتبادر من الآية بادىء بدء بقرينة قوله عقبه «ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت» فإن هذا كالمقدمة لذلك فأشبه سبب نزول، ولذلك كان هو المتبادر وهو لا يمنع من عموم العام، ومن ذلك التنازع في طرق تنفيذ الأوامر العامة، كما يحصل بين أفراد الجيوش وبين بعض قوادهم. وقد قيل: إن الآية نزلت في نزاع حدث بين أمير سرية الأنصار عبد الله بن حذافة السهمي كما سيأتي، ومن ذلك الاختلاف بين أهل الحل والعقد في شؤون مصالح المسلمين، وما يرومون حمل الناس عليه. ومن ذلك اختلاف أهل العلم في الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد والنظر في أدلة الشريعة. فكل هذا الاختلاف والتنازع مأمور أصحابه برد أمره إلى الله والرسول. ورد كل نوع من ذلك يتعين أن يكون بحيث يرجى معه زوال الاختلاف، وذلك ببذل الجهد والوسع في الوصول إلى الحق الجلي في تلك الأحوال. فما روي عن مجاهد وميمون بن مهران في تفسير التنازع بتنازع أهل العلم إنما هو تنبيه على الفرد الأخفى من أفراد العموم، وليس تخصيصا للعموم. وذكر الرد إلى الله في هذا مقصود منه مراقبة الله تعالى في طلب انجلاء الحق في مواقع النزاع، تعظيما لله تعالى، فإن الرد إلى الرسول يحصل به الرد إلى الله، إذ الرسول هو المنبئ عن مراد الله تعالى، فذكر اسم الله هنا هو بمنزلة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗