سورة النساء · الآية ٦١
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يعجب تعالى عباده من حالة المنافقين. { الذين يزعمون أنهم } مؤمنون بما جاء به الرسول وبما قبله، ومع هذا { يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت } وهو كل من حكم بغير شرع الله فهو طاغوت. والحال أنهم { وقد أمروا أن يكفروا به } فكيف يجتمع هذا والإيمان؟ فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع الله وتحكيمه في كل أمر من الأمور، فمن زعم أنه مؤمن واختار حكم الطاغوت على حكم الله، فهو كاذب في ذلك. وهذا من إضلال الشيطان إياهم، ولهذا قال: { ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا } عن الحق. { فكيف } يكون حال هؤلاء الضالين { إذآ أصبتهم مصيبة بما قدمت أيديهم } من المعاصي، ومنها تحكيم الطاغوت؟! { ثم جآءوك } معتذرين لما صدر منهم، ويقولون: { إن أردنآ إلا إحسنا وتوفيقا } أي: ما قصدنا في ذلك إلا الإحسان إلى المتخاصمين والتوفيق بينهم، وهم كذبة في ذلك. فإن الإحسان كل الإحسان تحكيم الله ورسوله ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون [المائدة: 50]. ولهذا قال: { أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم } أي: من النفاق والقصد السيئ. { فأعرض عنهم } أي: لا تبال بهم ولا تقابلهم على ما فعلوه واقترفوه. { وعظهم } أي: بين لهم حكم الله تعالى مع الترغيب في الانقياد لله، والترهيب من تركه، { وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا } أي: انصحهم سرا بينك وبينهم، فإنه أنجح لحصول المقصود، وبالغ في زجرهم وقمعهم عما كانوا عليه، وفي هذا دليل على أن مقترف المعاصي وإن أعرض عنه فإنه ينصح سرا، ويبالغ في وعظه بما يظن حصول المقصود به.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النساء ٦٠–٦٣) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا} أي: يعتذرون إليك ويحلفون: ما أردنا بذهابنا إلى غيرك، وتحاكمنا إلى عداك إلا الإحسان والتوفيق، أي: المداراة والمصانعة، لا اعتقادا منا صحة تلك الحكومة، كما أخبرنا تعالى عنهم في قوله: {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى [أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده] (1) فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين} [المائدة:52] . وقد قال الطبراني: حدثنا أبو زيد أحمد بن يزيد الحوطي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا صفوان بن عمر، عن عكرمة، عن ابن عباس. قال: كان أبو برزة الأسلمي كاهنا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه فتنافر إليه ناس من المسلمين فأنزل الله عز وجل: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك [يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت] (2) } إلى قوله: {إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا} ثم قال تعالى: {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم} [أي] (3) هذا الضرب من الناس هم المنافقون، والله يعلم ما في قلوبهم وسيجزيهم على ذلك، فإنه لا تخفى عليه خافية، فاكتف به يا محمد فيهم، فإن الله عالم بظواهرهم وبواطنهم؛ ولهذا قال له: {فأعرض عنهم} أي: لا تعنفهم على ما في قلوبهم {وعظهم} أي: وانههم (4) على ما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر {وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} أي: وانصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع (5) لهم. يقول تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع} أي: فرضت طاعته على من أرسله (6) إليهم وقوله: {بإذن الله} قال مجاهد: أي لا يطيع أحد إلا بإذني. يعني: لا يطيعهم إلا من وفقته لذلك، كقوله: {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه} [آل عمران:52] أي: عن أمره وقدره ومشيئته، وتسليطه إياكم عليهم. وقوله: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الكتاب، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله} [النساء: 61] يعني بذلك: وإذا قيل لهم: تعالوا هلموا إلى حكم الله الذي أنزله في كتابه، {وإلى الرسول} [النساء: 61] ليحكم بيننا PageEndV07P196 {رأيت المنافقين يصدون عنك} [النساء: 61] يعني بذلك: يمتنعون من المصير إليك لتحكم بينهم، ويمنعون من المصير إليك كذلك غيرهم صدودا وقال ابن جريج في ذلك بما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول} [النساء: 61] قال: " دعا المسلم المنافق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم قال: رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا " وأما على تأويل قول من جعل الداعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم اليهودي والمدعو إليه المنافق على ما ذكرت من أقوال من قال ذلك في تأويل قوله: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك} [النساء: 60] فإنه على ما بينت قبل.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٧/١٩٦) ↗التحرير والتنوير
… فأولو الأمر هنا هم من عدا الرسول من الخليفة إلى والي الحسبة، ومن قواد الجيوش ومن فقهاء الصحابة والمجتهدين إلى أهل العلم في الأزمنة المتأخرة، وأولو الأمر هم الذين يطلق عليهم أيضا أهل الحل والعقد. وإنما أمر بذلك بعد الأمر بالعدل وأداء الأمانة لأن هذين الأمرين قوام نظام الأمة وهو تناصح الأمراء والرعية وانبثاث الثقة بينهم. ولما كانت الحوادث لا تخلو من حدوث الخلاف بين الرعية، وبينهم وبين ولاة أمورهم، أرشدهم الله إلى طريقة فصل الخلاف بالرد إلى الله وإلى الرسول. ومعنى الرد إلى الله الرد إلى كتابه، كما دل على ذلك قوله في نظيره وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله [المائدة: 104] . ومعنى الرد إلى الرسول إنهاء الأمور إليه في حياته وحضرته، كما دل عليه قوله في نظيره إلى الرسول [النساء: 83] فأما بعد وفاته أو في غيبته، فالرد إليه الرجوع إلى أقواله وأفعاله، والاحتذاء بسنته. روى أبو داود عن أبي رافع عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» . وفي روايته عن العرباض ابن سارية أنه سمع رسول الله يخطب يقول: «أيحسب أحدكم وهو متكىء على أريكته وقد
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٥/٩٨) ↗