سورة الزمر · الآية ٧
﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أنه { خلق السموت والأرض } أي: بالحكمة والمصلحة، وليأمر العباد وينهاهم، ويثيبهم ويعاقبهم. { بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل } أي: يدخل كلا منهما على الآخر، ويحله محله، فلا يجتمع هذا وهذا، بل إذا أتى أحدهما انعزل الآخر عن سلطانه. { وسخر الشمس والقمر } بتسخير منظم، وسير مقنن. { كل } من الشمس والقمر { يجري } متأثرا عن تسخيره تعالى { لأجل مسمى } وهو انقضاء هذه الدار وخرابها، فيخرب الله آلاتها وشمسها وقمرها، وينشئ الخلق نشأة جديدة ليستقروا في دار القرار، الجنة أو النار. { ألا هو العزيز } الذي لا يغالب، القاهر لكل شيء، الذي لا يستعصي عليه شيء، الذي من عزته أوجد هذه المخلوقات العظيمة، وسخرها تجري بأمره. { الغفار } لذنوب عباده التوابين المؤمنين، كما قال تعالى: وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى [طه: 82]. الغفار لمن أشرك به بعد ما رأى من آياته العظيمة، ثم تاب وأناب. ومن عزته أن { خلقكم من نفس واحدة } على كثرتكم وانتشاركم، في أنحاء الأرض، { ثم جعل منها زوجها } وذلك ليسكن إليها وتسكن إليه، وتتم بذلك النعمة. { وأنزل لكم من الأنعام } أي: خلقها بقدر نازل منه، رحمة بكم. { ثمانية أزواج } وهي التي ذكرها في سورة الأنعام ثمنية أزوج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين [الأنعام: 143] ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين [الأنعام: 144]. وخصها بالذكر، مع أنه أنزل لمصالح عباده من البهائم غيرها، لكثرة نفعها، وعموم مصالحها، ولشرفها، ولاختصاصها بأشياء لا يصلح غيرها، كالأضحية والهدي، والعقيقة، ووجوب الزكاة فيها، واختصاصها بالدية. ولما ذكر خلق أبينا وأمنا، ذكر ابتداء خلقنا، فقال: { يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق } أي: طورا بعد طور، وأنتم في حال لا يد مخلوق تمسكم، ولا عين تنظر إليكم، وهو قد رباكم في ذلك المكان الضيق { في ظلمات ثلاث } ظلمة البطن، ثم ظلمة الرحم، ثم ظلمة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
عندها". تفرد به الإمام أحمد (1) . وعمارة بن زاذان وثقه ابن حبان، وأحمد، ويعقوب بن سفيان (2) وقال ابن معين: صالح. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، ليس بالمتين. وقال البخاري: ربما يضطرب في حديثه. وعن أحمد أيضا أنه قال: روي عنه أحاديث منكرة. وقال أبو داود: ليس بذاك. وضعفه الدارقطني، وقال ابن عدي: لا بأس به ممن يكتب حديثه. وقوله تعالى: {وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد} أي: هو غني عن شكر عباده، وهو الحميد المحمود، وإن كفره من كفره، كما قال: {إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم} [الزمر: 7] وقال تعالى: {فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد} [التغابن: 6] . وفي صحيح مسلم، عن أبي ذر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه، عز وجل، أنه قال: "يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل منكم، ما نقص ذلك في (3) ملكي شيئا. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئا، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر". فسبحانه وتعالى الغني الحميد (4) . قال ابن جرير: هذا من تمام قيل (5) موسى لقومه (6) . يعني: وتذكاره إياهم بأيام الله، بانتقامه من الأمم المكذبة للرسل. وفيما قال (7) ابن جرير نظر؛ والظاهر أنه خبر مستأنف من الله تعالى لهذه الأمة، فإنه قد قيل:
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٤٨٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يرضى لعباده الكفر} [الزمر: 7] فقال بعضهم: ذلك لخاص من الناس، ومعناه: إن تكفروا أيها المشركون بالله، فإن الله غني عنكم، ولا يرضى لعباده المؤمنين الذين أخلصهم لعبادته وطاعته الكفر
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/١٦٨) ↗التحرير والتنوير
ووصفه بالربوبية تذكير لهم بنعمة الإيجاد والإمداد وهو معنى الربوبية، وتوطئة للتسجيل عليهم بكفران نعمته الآتي في قوله: إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر [الزمر: 7] . وجملة له الملك خبر ثان عن اسم الإشارة. والملك: أصله مصدر ملك، وهو مثلث الميم إلا أن مضمون الميم خصه الاستعمال بملك البلاد ورعاية الناس، وفيه جاء قوله تعالى: تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء [آل عمران: 26] ، وصاحبه: ملك، بفتح الميم وكسر اللام، وجمعه: ملوك. وتقديم المجرور لإفادة الحصر الادعائي، أي الملك لله لا لغيره، وأما ملك الملوك فهو لنقصه وتعرضه للزوال بمنزلة العدم، كما تقدم في قوله تعالى: الحمد لله [الفاتحة: 2] ، وفي حديث القيامة: «ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض» ، فالإلهية هي الملك الحق، ولذلك كان ادعاؤهم شركاء للإله الحق خطأ، فكان الحصر الادعائي لإبطال ادعاء المشركين. وجملة لا إله إلا هو بيان لجملة الحصر في قوله: له الملك. وفرع عليه استفهام إنكاري عن انصرافهم عن توحيد الله تعالى، ولما كان الانصراف حالة استفهم عنها بكلمة أنى التي هي هنا بمعنى (كيف) كقوله تعالى: أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة [الأنعام: 101] . والصرف: الإبعاد عن شيء، والمصروف عنه هنا محذوف، تقديره: عن توحيده، بقرينة قوله: لا إله إلا هو. وجعلهم مصروفين عن التوحيد ولم يذكر لهم صارفا، فجاء في ذلك بالفعل المبني للمجهول ولم يقل لهم: فأنى تنصرفون، نعيا عليهم بأنهم كالمقودين إلى الكفر غير المستقلين بأمورهم يصرفهم الصارفون، يعني أيمة الكفر أو الشياطين الموسوسين لهم. وذلك إلهاب لأنفسهم ليكفوا عن امتثال أئمتهم الذين يقولون لهم: لا تسمعوا لهذا القرآن [فصلت: 26] ، عسى أن ينظروا بأنفسهم في دلائل الوحدانية المذكورة لهم.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٣٣٦) ↗