سورة الزمر · الآية ٦
﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ۚ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أنه { خلق السموت والأرض } أي: بالحكمة والمصلحة، وليأمر العباد وينهاهم، ويثيبهم ويعاقبهم. { بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل } أي: يدخل كلا منهما على الآخر، ويحله محله، فلا يجتمع هذا وهذا، بل إذا أتى أحدهما انعزل الآخر عن سلطانه. { وسخر الشمس والقمر } بتسخير منظم، وسير مقنن. { كل } من الشمس والقمر { يجري } متأثرا عن تسخيره تعالى { لأجل مسمى } وهو انقضاء هذه الدار وخرابها، فيخرب الله آلاتها وشمسها وقمرها، وينشئ الخلق نشأة جديدة ليستقروا في دار القرار، الجنة أو النار. { ألا هو العزيز } الذي لا يغالب، القاهر لكل شيء، الذي لا يستعصي عليه شيء، الذي من عزته أوجد هذه المخلوقات العظيمة، وسخرها تجري بأمره. { الغفار } لذنوب عباده التوابين المؤمنين، كما قال تعالى: وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى [طه: 82]. الغفار لمن أشرك به بعد ما رأى من آياته العظيمة، ثم تاب وأناب. ومن عزته أن { خلقكم من نفس واحدة } على كثرتكم وانتشاركم، في أنحاء الأرض، { ثم جعل منها زوجها } وذلك ليسكن إليها وتسكن إليه، وتتم بذلك النعمة. { وأنزل لكم من الأنعام } أي: خلقها بقدر نازل منه، رحمة بكم. { ثمانية أزواج } وهي التي ذكرها في سورة الأنعام ثمنية أزوج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين [الأنعام: 143] ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين [الأنعام: 144]. وخصها بالذكر، مع أنه أنزل لمصالح عباده من البهائم غيرها، لكثرة نفعها، وعموم مصالحها، ولشرفها، ولاختصاصها بأشياء لا يصلح غيرها، كالأضحية والهدي، والعقيقة، ووجوب الزكاة فيها، واختصاصها بالدية. ولما ذكر خلق أبينا وأمنا، ذكر ابتداء خلقنا، فقال: { يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق } أي: طورا بعد طور، وأنتم في حال لا يد مخلوق تمسكم، ولا عين تنظر إليكم، وهو قد رباكم في ذلك المكان الضيق { في ظلمات ثلاث } ظلمة البطن، ثم ظلمة الرحم، ثم ظلمة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يخبر تعالى أنه الخالق لما في السموات والأرض، وما بين ذلك من الأشياء، وأنه مالك الملك المتصرف، فيه يقلب ليله ونهاره، {يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل} أي: سخرهما يجريان (1) متعاقبين لا يقران (2) ، كل منهما يطلب الآخر طلبا حثيثا، كقوله: {يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا} [الأعراف:54] هذا معنى ما روي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وغيرهم. وقوله: {وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى} أي: إلى مدة معلومة عند الله ثم تنقضي يوم القيامة. {ألا هو العزيز الغفار} أي: مع عزته وعظمته وكبريائه هو غفار لمن عصاه ثم تاب وأناب إليه. وقوله: {خلقكم من نفس واحدة} أي: خلقكم مع اختلاف أجناسكم وأصنافكم وألسنتكم وألوانكم من نفس واحدة، وهو آدم عليه السلام {ثم جعل منها زوجها} ، وهي حواء، عليهما السلام، كقوله: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء} [النساء:1] . وقوله: {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج} أي: وخلق لكم من ظهور الأنعام ثمانية، أزواج وهي المذكورة في سورة الأنعام: {ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين} [الأنعام:143] ، {ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين} [الأنعام:144] . وقوله: {يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق} أي: قدركم (3) في بطون أمهاتكم {خلقا من بعد خلق} أي: يكون أحدكم أولا نطفة، ثم يكون علقة، ثم يكون مضغة، ثم يخلق فيكون لحما وعظما وعصبا وعروقا، وينفخ فيه الروح فيصير خلقا آخر، {فتبارك الله أحسن الخالقين} [المؤمنون:14] . وقوله: {في ظلمات ثلاث} يعني: ظلمة الرحم، وظلمة المشيمة (4) -التي هي كالغشاوة والوقاية على الولد -وظلمة البطن. كذا قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو مالك، والضحاك، وقتادة، والسدي، وابن (5) زيد [وغيرهم] (6) . وقوله: {ذلكم الله ربكم} أي: هذا الذي خلق السموات والأرض وما بينهما وخلقكم وخلق …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
من آدم {ثم جعل منها زوجها} [الزمر: 6] يقول: ثم جعل من آدم زوجه حواء، وذلك أن الله خلقها من ضلع من أضلاعه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/١٦١) ↗التحرير والتنوير
[6] 6] خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون (6) خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها. انتقال إلى الاستدلال بخلق الناس وهو الخلق العجيب. وأدمج فيه الاستدلال بخلق أصلهم وهو نفس واحدة تشعب منها عدد عظيم وبخلق زوج آدم ليتقوم ناموس التناسل. والجملة يجوز أن تكون في موضع الحال من ضمير الجلالة، ويجوز أن تكون استئنافا ابتدائيا تكريرا للاستدلال. والخطاب للمشركين بدليل قوله بعده: فأنى تصرفون، وهو التفات من الغيبة إلى الخطاب، ونكتته أنه لما أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم عنهم بطريق الغيبة أقبل على خطابهم ليجمع في توجيه الاستدلال إليهم بين طريقي التعريض والتصريح. وتقدم نظير هذه الجملة في سورة الأعراف، إلا أن في هذه الجملة عطف قوله: جعل منها زوجها بحرف ثم الدال على التراخي الرتبي لأن مساقها الاستدلال على الوحدانية وإبطال الشريك بمراتبه، فكان خلق آدم دليلا على عظيم قدرته تعالى وخلق زوجه من نفسه دليلا آخر مستقل الدلالة على عظيم قدرته. فعطف بحرف ثم الدال في عطف الجمل على التراخي الرتبي إشارة إلى استقلال الجملة المعطوفة بها بالدلالة مثل الجملة المعطوفة هي عليها، فكان خلق زوج آدم منه أدل على عظيم القدرة من خلق الناس من تلك النفس الواحدة ومن زوجها لأنه خلق لم تجر به عادة فكان ذلك الخلق أجلب لعجب السامع من خلق الناس فجيء له بحرف التراخي المستعمل في تراخي المنزلة لا في تراخي الزمن لأن زمن خلق زوج آدم سابق على خلق الناس. فأما آية الأعراف فمساقها مساق الامتنان على الناس بنعمة الإيجاد، فذكر الأصلان للناس معطوفا أحدهما على الآخر بحرف التشريك في الحكم الذي هو الكون أصلا لخلق الناس. وقد تضمنت الآية ثلاث دلائل على عظم القدرة خلق الناس من ذكر وأنثى بالأصالة وخلق الذكر …
أكمل القراءة في الكتاب ↗