سورة الزمر · الآية ٥٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عباده المسرفين بسعة كرمه، ويحثهم على الإنابة قبل أن لا يمكنهم ذلك فقال: { قل } يا أيها الرسول ومن قام مقامه من الدعاة لدين الله، مخبرا للعباد عن ربهم: { يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } باتباع ما تدعوهم إليه أنفسهم من الذنوب، والسعي في مساخط علام الغيوب. { لا تقنطوا من رحمة الله } أي: لا تيأسوا منها، فتلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وتقولوا قد كثرت ذنوبنا وتراكمت عيوبنا، فليس لها طريق يزيلها ولا سبيل يصرفها، فتبقون بسبب ذلك مصرين على العصيان، متزودين ما يغضب عليكم الرحمن، ولكن اعرفوا ربكم بأسمائه الدالة على كرمه وجوده، واعلموا أنه يغفر الذنوب جميعا من الشرك، والقتل، والزنا، والربا، والظلم، وغير ذلك من الذنوب الكبار والصغار. { إنه هو الغفور الرحيم } أي: وصفه المغفرة والرحمة، وصفان لازمان ذاتيان، لا تنفك ذاته عنهما، ولم تزل آثارهما سارية في الوجود، مالئة للموجود، تسح يداه من الخيرات آناء الليل والنهار، ويوالي النعم على العباد والفواضل في السر والجهار، والعطاء أحب إليه من المنع، والرحمة سبقت الغضب وغلبته، ولكن لمغفرته ورحمته ونيلهما أسباب إن لم يأت بها العبد، فقد أغلق على نفسه باب الرحمة والمغفرة، أعظمها وأجلها، بل لا سبب لها غيره، الإنابة إلى الله تعالى بالتوبة النصوح، والدعاء والتضرع والتأله والتعبد، فهلم إلى هذا السبب الأجل، والطريق الأعظم، ولهذا أمر تعالى بالإنابة إليه، والمبادرة إليها فقال: { وأنيبوا إلى ربكم } بقلوبكم { وأسلموا له } بجوارحكم، إذا أفردت الإنابة، دخلت فيها أعمال الجوارح، وإذا جمع بينهما، كما في هذا الموضع، كان المعنى ما ذكرنا. وفي قوله { إلى ربكم وأسلموا له } دليل على الإخلاص، وأنه من دون إخلاص، لا تفيد الأعمال الظاهرة والباطنة شيئا. { من قبل أن يأتيكم العذاب } مجيئا لا يدفع { ثم لا تنصرون } فكأنه قيل: ما هي الإنابة والإسلام؟ وما جزئياتها وأعمالها؟ …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة} قال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: لما جحد المشركون ما أنزل الله لم تثبت قلوبهم على شيء وردت عن كل أمر. وقال مجاهد: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم [كما لم يؤمنوا به أول مرة] } (5) ونحول بينهم وبين الإيمان ولو جاءتهم كل آية، فلا يؤمنون، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة. وكذا قال عكرمة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس أنه قال: أخبر الله ما العباد قائلون قبل أن يقولوه وعملهم قبل أن يعملوه. قال: {ولا ينبئك مثل خبير} [فاطر: 14] ، [وقال] (6) {أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله [وإن كنت لمن الساخرين. أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين. أو تقول حين ترى العذاب] (7) لو أن لي كرة فأكون من المحسنين} [الزمر: 56 -58] فأخبر سبحانه أنهم لو ردوا لم يقدروا على الهدى، وقال: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} [الأنعام: 28] ، وقال {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة} قال: لو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى، كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا. وقوله: {ونذرهم} أي: نتركهم {في طغيانهم} (8) قال ابن عباس والسدي: في كفرهم. وقال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة: في ضلالهم. {يعمهون} قال الأعمش: يلعبون. وقال ابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية، والربيع، وأبو مالك، وغيره: في كفرهم يترددون.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٣/٣١٧) ↗