سورة الزمر · الآية ٥٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عباده المسرفين بسعة كرمه، ويحثهم على الإنابة قبل أن لا يمكنهم ذلك فقال: { قل } يا أيها الرسول ومن قام مقامه من الدعاة لدين الله، مخبرا للعباد عن ربهم: { يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } باتباع ما تدعوهم إليه أنفسهم من الذنوب، والسعي في مساخط علام الغيوب. { لا تقنطوا من رحمة الله } أي: لا تيأسوا منها، فتلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وتقولوا قد كثرت ذنوبنا وتراكمت عيوبنا، فليس لها طريق يزيلها ولا سبيل يصرفها، فتبقون بسبب ذلك مصرين على العصيان، متزودين ما يغضب عليكم الرحمن، ولكن اعرفوا ربكم بأسمائه الدالة على كرمه وجوده، واعلموا أنه يغفر الذنوب جميعا من الشرك، والقتل، والزنا، والربا، والظلم، وغير ذلك من الذنوب الكبار والصغار. { إنه هو الغفور الرحيم } أي: وصفه المغفرة والرحمة، وصفان لازمان ذاتيان، لا تنفك ذاته عنهما، ولم تزل آثارهما سارية في الوجود، مالئة للموجود، تسح يداه من الخيرات آناء الليل والنهار، ويوالي النعم على العباد والفواضل في السر والجهار، والعطاء أحب إليه من المنع، والرحمة سبقت الغضب وغلبته، ولكن لمغفرته ورحمته ونيلهما أسباب إن لم يأت بها العبد، فقد أغلق على نفسه باب الرحمة والمغفرة، أعظمها وأجلها، بل لا سبب لها غيره، الإنابة إلى الله تعالى بالتوبة النصوح، والدعاء والتضرع والتأله والتعبد، فهلم إلى هذا السبب الأجل، والطريق الأعظم، ولهذا أمر تعالى بالإنابة إليه، والمبادرة إليها فقال: { وأنيبوا إلى ربكم } بقلوبكم { وأسلموا له } بجوارحكم، إذا أفردت الإنابة، دخلت فيها أعمال الجوارح، وإذا جمع بينهما، كما في هذا الموضع، كان المعنى ما ذكرنا. وفي قوله { إلى ربكم وأسلموا له } دليل على الإخلاص، وأنه من دون إخلاص، لا تفيد الأعمال الظاهرة والباطنة شيئا. { من قبل أن يأتيكم العذاب } مجيئا لا يدفع { ثم لا تنصرون } فكأنه قيل: ما هي الإنابة والإسلام؟ وما جزئياتها وأعمالها؟ …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله يغفر الذنوب جميعا لمن تاب منها ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر. ولا يصح حمل هذه [الآية] (1) على غير توبة (2) ؛ لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه. وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف؛ أن ابن جريج أخبرهم: قال يعلى: إن سعيد بن جبير أخبره عن ابن عباس (3) [رضي الله عنهما] (4) ؛ أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا. فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة. فنزل: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون} [الفرقان:68] ، ونزل [قوله] (5) : {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} . وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي، من حديث ابن جريج، عن يعلى بن مسلم المكي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به (6) . والمراد من الآية الأولى قوله: {إلا من تاب وآمن وعمل صالحا} الآية. [الفرقان:70] . وقال (7) الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو قبيل قال: سمعت أبا عبد الرحمن المري (8) يقول: سمعت (9) ثوبان -مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم-يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية: {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} إلى آخر الآية، فقال رجل: يا رسول الله، فمن أشرك؟ فسكت النبي (10) صلى الله عليه وسلم ثم قال: "ألا ومن أشرك" ثلاث مرات. تفرد به الإمام أحمد (11) . وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا سريج (12) بن النعمان، حدثنا روح بن قيس، عن أشعث بن جابر الحداني، عن مكحول، عن (13) عمرو بن عبسة (14) قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، شيخ كبير يدعم على عصا له، فقال: يا رسول الله إن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الله، وأن لا تقول نفس لأخرى: لو أن الله هداني للحق، فوفقني للرشاد لكنت ممن اتقاه بطاعته واتباع رضاه، أو PageEndV20P236 أن لا تقول أخرى حين ترى عذاب الله فتعاينه {لو أن لي كرة} [الزمر: 58] تقول لو أن لي رجعة إلى الدنيا {فأكون من المحسنين} [الزمر: 58] الذين أحسنوا في طاعة ربهم، والعمل بما أمرتهم به الرسل وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٢٣٥) ↗التحرير والتنوير
وأما الشفاعة لأهل الكبائر فليست من حقيقة النصر المنفي وهذه الفقرة أكثر حظ فيها هو حظ المشركين. [55] 55] واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون (55) أحسن ما أنزل هو القرآن وهو معنى قوله: الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه [الزمر: 18] . والحظ للمشركين في هذه الآية لأن المسلمين قد اتبعوا القرآن كما قال تعالى: فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله [الزمر: 17، 18] . وأحسن اسم تفضيل مستعمل في معنى كامل الحسن، وليس في معنى تفضيل بعضه على بعض لأن جميع ما في القرآن حسن فهو من باب قوله تعالى: قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه [يوسف: 33] . وإضافة أحسن إلى ما أنزل من إضافة الصفة إلى الموصوف. والعذاب المذكور في هذه هو العذاب المذكور قبل بنوعيه وكله بغتة إذ لا يتقدمه إشعار، فعذاب الدنيا يحل بغتة وعذاب الآخرة كذلك لأنه تظهر بوارقه عند البعث وقد أتاهم عذاب السيف يوم بدر ويأتيهم عذاب الآخرة يوم البعث. [56- 58] أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين (56) أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين (57) أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين (58) أن تقول تعليل للأوامر في قوله: وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له [الزمر: 54] واتبعوا أحسن ما أنزل [الزمر: 55] على حذف لام التعليل مع (أن) وهو كثير.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/٤٤) ↗